أن نتحاور.. أو لا نتحاور على الإطلاق!

الطالبة ماريا (يمين) خلال زيارة لأحد ماسجد العاصمة الدنماركية كوبنهاجن (تصوير:يانية أندرسين)

سألني صديق لي مؤخراً: ما هو الجيد في مشروع  قادة من أجل التفاهم بين الأديان؟ كان من أنصار الرأي القائل أن مشاريع الحوار تعتبر ذات قيمة فقط للأشخاص المنخرطين فيها فعلاً. وكوني جزء من مشروع قادة من أجل التفاهم الديني، فقد دفعني ذلك للتفكير في أهمية الحوار ودوره في خلق الهوية الشخصية. لقد درست تشكيل الهوية، وأود أن أشاطركم بعض الأفكار المستقاة من الدراسات الحديثة التي تناولت موضوع الهوية.*

ينبغي لنا أن نتجنب قدر الإمكان التصنيفات السلبية التي تعمق الخلافات بين الناس. بدلاً من ذلك، يجب أن نحاول على الأقل أن نشمل أنفسنا مع الأخرين ونحاول العثور على الهويات المشتركة بيننا. يجب أيضاً أن نكون مدركين لحاجة الآخرين إلى اعترافنا بهوياتهم، وعلينا أن نتذكر أنه حتى عن طريق تجنب الناس فإننا نشارك فعلياً في تشكيل هويتهم”. ماريا منخولت كريستنسن

لقد تكونت شخصيتنا من خلال تواصلنا مع الآخرين. هذا ما يسمى بالمعرفة المشتركة. بكل بساطة، عندما نتحدث إلى أشخاص آخرين أو نصغي لأفكارهم، فإننا بذلك إما نشمل أنفسنا معهم، أو ننأى بأنفسنا عنهم. في هذه العملية من التصاقنا أو تميزنا عن الآخرين، تتكون شخصيتنا، ونكتسب هويتنا. في نفس الوقت الذي نحاول فيه تشكيل الهوية الخاصة بنا، بشارك الناس من حولنا في تشكيل هويتنا. فالناس الآخرون هم من يمكمنهم تأكيد أو نفي هوية ما. لذا نحن نعتمد على الآخرين لنتأكد من هويتنا ونعلم من نحن حقاً.

 الهويات

وعلاوة على ذلك، تشير الدراسات إلى أن كل شخص لديه عدة هويات. نفس الشخص يمكن له أن يكون والداً، وزوجاً، وطالباً، وهو في نفس الوقت مسيحي، واشتراكي، وهلم جرا. تتنوع هوياتنا بتنوع الحالات. الهويات مهمة بشكل عام، لأنها تسيّر أعمالنا وتصرفاتنا. على سبيل المثال، في الانتخابات نصوت لصالح الحزب السياسي الذي ينسجم مع هويتنا، وبالتالي يتوافق مع نظرتنا إلى العالم، سواء كان ذلك الحزب هو جماعة الإخوان المسلمين أو الحزب الليبرالي أو الحزب الاشتراكي.

عن مشروع قادة من أجل التفاهم بين الأديان

انطلق المشروع  في عام 2012 ويشارك فيه كل عام عشرات الشباب من الدنمارك والعالم العربي و يهدف إلى بناء قدرات القادة الشباب في مجال الحوار الثقافي  والديني  وتعزيز قواعد المصالحة والتكامل والمشاركة السياسية من  خلال المبادرات الدينية المشتركة.

موقع البرنامج الإلكتروني 

قائمة المشاركين في اللقاء الثالث 

قد تكون بعض هوياتنا أكثر أهمية بالنسبة لنا من غيرها. فقد استخدمت بعض الدراسات التي نتاولت الهوية تعبير “التسلسل الهرمي للهوية”. وهو يشير إلى حقيقة تقول أنه على الرغم من أننا جميعا لدينا عدة هويات، فإن هذه الهويات ليست بنفس القدر من الأهمية بالنسبة لنا. نحمل غالباً هوية معينة أكثر أهمية من غيرها، ونسمح لها بأن تمثلنا في أوضاع مختلفة. قد تكون هذه الهوية على سبيل المثال هي أن تكون والداً، سواءاً أباً أو أماً. بالنسبة للبعض، وأنا منهم، فإن الهوية الدينية مهمة وهي تؤثر على تصرفاتنا وآرائنا في العديد من الحالات. ومع ذلك، عندما نشعر أن هوية معينة أصبحت طاغية على بقية الهويات، يجب أن نلقي نظرة ناقدة على الذات، ويمكن أن يتم ذلك من خلال إجراء حوار مع الآخر والاستفادة من وجهات نظر مختلفة.

استخدام معرفتنا

عندما يكون لدينا معرفة بكيفية تطور الهويات، أقترح استخدامها. ينبغي لنا أن نتجنب قدر الإمكان التصنيفات السلبية التي تعمق الخلافات بين الناس. بدلاً من ذلك، يجب أن نحاول على الأقل أن نشمل أنفسنا مع الأخرين ونحاول العثور على الهويات المشتركة بيننا. يجب أيضاً أن نكون مدركين لحاجة الآخرين إلى اعترافنا بهوياتهم، وعلينا أن نتذكر أنه حتى عن طريق تجنب الناس فإننا نشارك فعلياً في تشكيل هويتهم.

تظهر لنا الدراسات التي تتناول الهوية أهمية الحوار، لأنها تظهر لنا هويتنا تتشكل من خلال الحوار. قد يكون صديقي على حق، ربما تعمل مشاريع الحوار ببطء، لأنها تترك تأثيراً فورياً على المشاركين الذين يجتمعون وينخرطون في الحديث فقط. ولكن مجدداً أقول أنه لا يوجد بديل. الطريقة الوحيدة لجعل الآخرين يفهمون ويحترمون وجهة نظرنا هي من خلال الحوار. الدرس الذي نستقيه من الدراسات التي تتناول الهوية هو أننا نؤثر على الآخرين سواءاً اخترنا التحدث معهم أو اختارنا أن نتجاهلها، لذلك من الأفضل أن نحاول أن نترك أثراً إيجابياً

 * يمكنني أن أوصي على سبيل المثال بالمرجع التالي:

إم آر ليري: كتاب النفس والهوية، 2003، جيلفورد برس، وإس سترايكر: “من شراب الميد إلى التفاعلية الرمزية البنيوية وما بعدها” في التقرير السنوي لعلم الاجتماع 34، 15-31، 2008.

محتوى رقميجزء من