المدارس الدنماركية بعيون معلمة تونسية

على مدار عام شارك عشرات المعلمين والمعلمات من تونس والدنمارك في مشروع تعاون حول طرق التدريس والبيئة التعليمية في البلدين. في هذا المقال تكتب المعلمة التونسية أنيسة بن عزيزة عن تجربتها في هذا المشروع.

بدأت تجربتي مع برنامج الشراكة الدنماركية العربية عندما اتصل بي أعضاء النقابة العامة للتعليم الثانوي في تونس بعد توقيعهم بروتوكول تعاون مع نقابة المعلمين في الدنمارك والتي تنص على معالجة ثنائية لبعض المشاكل التي تواجهها المدارس في كل من البلدين والاستفادة من المقاربة الدنماركية في هذا المجال.

وفي نهاية شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي زرت مع فريق العمل بعض المؤسسات التربوية كل من العاصمة الدنماركية كوبنهاجن ومدينة أودنسه وتعرفت عن قرب على الخبرات التربوية الدنماركية والتي تعتبر رائدة من حيث نتائجها في التصنيفات العالمية.

لقد كانت تجربة مذهلة فتحت أمامي الباب للتعرف من خلالها على النظام التربوي الدنماركي والظروف المتوفرة التي تساهم في تميز المدرسة الدنماركية التي تهتم في أول الأمر بتكوين مواطن وتنمية هذا الحس قبل أن تهتم بمراكمة المعلومات والمعارف، ولهذا الغرض تخصص الدولة موارد مالية هامة ولعل أركان هذه التجربة هي أنها لن تعتمد على استنساخ التجربة الدنماركية في مؤسستنا التونسية وإنما الاقتداء بما يناسبنا منها.

دمقرطة منظومة التدريس

وخلال الأشهر الماضية تواصلت هذه التجربة في شكل ندوات أقمناها حول أربع محاور هامة بحضور عدد هام من الأساتذة والتلاميذ التونسيين والتي ستتواصل بداية السنة الدراسية القادمة ويؤثثها أساتذة دنماركيون.

فقد ساهمت مشاركتي في هذا البرنامج في تدعيم ثقتي بأهمية مفهوم الديمقراطية في المدرسة باعتبارها مكوناً أول من مكونات مجتمع حداثي متقدم وهو ما أثر فعلياً على ممارستي لمهنتي حيث أصبحت أكثر انفتاحاً على تلاميذي، عبر تطبيق ما رأيته في طرق التواصل التعلمية-التعليمية بالمدرسة الدنماركية في حدود ما تمكنني منه خصوصية المدرسة التونسية،” أنيسة بن عزيزة، معلمة تونسية

وكان الهدف منها هو تدعيم حس دمقرطة الحياة التربوية لدى المشاركين حيث بينوا أهمية غياب العلاقة الهرمية بين المعلم والمتعلم بل إن بناء مدرسة ديمقراطية مواطنية تبدأ أولاً ببناء علاقة ثقة وتواصل أفقية بين جميع مكونات المؤسسة التربوية وتوفير الظروف الملائمة لوجستياً وهيكلياً لعملية تربوية وتعليمية سليمة ستثمر في النهاية بتقليص عدد المتعلمين المتسربين من مقاعد الدراسة.

وعلى الجانب الشخصي، فقد ساهمت مشاركتي في هذا البرنامج في تدعيم ثقتي بأهمية مفهوم الديمقراطية في المدرسة باعتبارها مكوناً أول من مكونات مجتمع حداثي متقدم وهو ما أثر فعلياً على ممارستي لمهنتي حيث أصبحت أكثر انفتاحاً على تلاميذي، عبر تطبيق ما رأيته في طرق التواصل التعلمية-التعليمية بالمدرسة الدنماركية في حدود ما تمكنني منه خصوصية المدرسة التونسية.

الحوار مع التلاميذ هو الحل

 وأصبحت أعمل أكثر ما يمكن على تخصيص حصص أسبوعية للتواصل الشفوي مع التلاميذ في إطار حوار منظم حول موضوع معين مما يسمح لهم بالتدرب على النقاش واحترام الأخر مما يؤسس لتكوين مواطن المستقبل الذي يؤمن بالحوار والحق في الاختلاف.

وقمت كذلك بخلق أنشطة مرتبطة بالمادة تعمل على تطوير المهارات الفكرية والفنية لدى التلاميذ مثل الألعاب الفكرية  والمسابقات الرياضية والفنية التي تنمي ذكائهم الحسي بالإضافة إلى تكوين حس النقد و هو ما لقي صدى إيجابياً لديهم فتفاعلوا مع هذه التجربة وأصبحوا يقترحون المواضيع التي سيتم مناقشتها ويطلبون معرفتها مسبقاً ليعملوا على التحضير لها ولجمع جملة من المعلومات حولها بل إن تحولاً رافق سلوكهم حيث أصبح المتعلمون ينظمون تدخلاتهم بنفسهم ويحسنون الإنصات لبعضهم البعض اضافة لإلمامهم بما يحيط بهم و في هذا الإطار اقترحوا علي تفعيل انتخاب ممثل القسم الذي سينوبهم وسيحاول حل مشكلاتهم مع مكونات الإدارة و الإطار التربوي .

تجربة تبني جسور المعرفة

في الجانب الآخر أن تأثير هذه التجربة على الأساتذة الدنماركيين تلخص بتعريفهم على مجتمع مختلف بتركيبته ونواميسه، وفي إطار العمل فقد راسلونا ليعلمونا أنهم قرروا مضاعفة نسق الاختبارات لدى تلاميذهم إضافة لمحاولة خلق تصورات أكثر انفتاحاً على العالم في المحاور التي يدرسونها.

لا شك أن هذه التجربة تعمل على خلق روابط إنسانية بين المعلم والمتعلم وتسمح بتكوين روابط صداقة تساهم في تأثير فعلي للمعلم في شخصيات الطلبة دون هيمنة وهو ما يمثل عنصر قوة هذه المنظومة.

كما دعمت هذه التجربة إيماني بضرورة تحويل المدرسة إلى فضاء مستقطب لأبنائه لا منفر لهم مما يجعلنا نتفادى آفة التسرب المدرسي الذي تحول مؤخراً إلى آفة تنخر نظامنا التربوي. ويمكن أن يحدث هذا عبر الاستفادة من النموذج الدنماركي الذي قام بإنشاء مدارس متخصصة لاستيعاب المنقطعين عن الدراسة أو تدشين مدارس مهنية متعددة الاختصاصات.

ومن وجهة نظري تظل هذه التجربة تجربة عمل اصطبغت بحس إنساني حيث سمحت لي بالتعرف إلى شخصيات مختلفة تأقلمنا في سبيل إنجاح هذا البرنامج وساهمت في التأثير على شخصيتي من خلال استفادتي من جميع عناصرها على الصعيد المهني والشخصي.