طالبة مصرية تتحدث عن تجربتها الأكاديمية في الدنمارك

تصوير: صوفيا لومان

عندما نزلت من القطار ووطأت قدماي أرض المحطة، لم أكن أعلم ما بانتظاري، فقد كان يوماً طويلاً وشاقاً مليئاً بالتنقل بين المطارات ومحطات القطار، ولكنني وصلت في النهاية إلى وجهتي؛ مدينة أورهوس في الدنمارك.
ولحظة أن وضعت قدمي على الأرض الإسمنتية الصلبة، تخللت عظامي رياح باردة، وهو أمر لم أكن أتوقعه في منتصف شهر أغسطس/آب، فهناك في مصر، يعتبر هذا الشهر أحر شهور السنة بمعدل درجات حرارة يفوق الـ30 درجة ويكاد يصل إلى الـ40 درجة، ولكني لم أعد في مصر، فقد كنت في اسكندينافيا، حيث تقل درجات الحرارة على الأقل بمقدار 10-15 درجة عما اعتدت، ولعلي أخبركم عن ذلك أكثر فيما بعد.

ولكنني كنت مخطئة، فلقد مضى على وجودي في الدنمارك 6 أسابيع ولم أتعرض لأي شكل من أشكال العنصرية، ولم يجعلني أحدهم أشعر في مرة أني أدنى منهم منزلة بسبب أني لست دنماركية شقراء وعيناي زرقاء. فالدنماركيون كانوا ودودين ومساعدين ومرحبين جداً في حقيقة الأمر. نهى عثمان

كنت قد فقدت الأمل في القدوم إلى الدنمارك، فقد مر 3 شهور على تقدمي بطلب التأشيرة، وأوشكت السنة الدراسية على البدء بعد أيام قليلة، كنت أشعر ساعتها بخيبة أمل وبنوع من اليأس، ولكنني تقبلت في نهاية المطاف حقيقة أني لست ذاهبة إلى الدنمارك، حتى تلقيت مكالمة هاتفية غيرت كل شيء، فالتأشيرة كانت جاهزة وبانتظاري، ولم يكن لدى سوى أيام معدودة لكي أجهز نفسي وأغادر إلى أورهوس. ولذلك حتى يوم وصولي إلى الدنمارك لم أكن مستعدة نفسياً، فخلال الثلاثة أيام التي سبقت السفر ودعت الجميع، ولكن لم يكن لدى وقت لتفهم حقيقة أني سأبتعد عن حياتي المعتادة لعدة شهور من الزمان.

على كل حال، وصلت إلى الدنمارك وكان بصحبتي مصريان آخران سافرنا سوياً، مجرد غرباء التقيت بهما قبل سفرنا إلى الدنمارك بساعات قليلة، وكنا قد أخبرنا أن دنماركيين من مدرستنا سيقومان باستقبالنا في المطار، ولذلك بحثنا في كل اتجاه على أمل أن نجدهما، وحاولنا الاتصال برقم هاتف كنا قد حصلنا عليه منهما ولكن أحداً لم يجب، ولحسن الحظ استطاعا أن يعثرا علينا في النهاية، ورحبا بنا في مدينة أورهوس، وأوصلانا إلى المكان الذي سيصبح فيما بعد بيتاً لنا على مدار الأربعة شهور القادمة.

كانت الساعة لم تتجاوز العاشرة ليلاً، وكانت الفكرة الوحيدة المسيطرة على تفكيري، هي أنني في وسط ما يشبه مدينة أشباح، فلم يكن هناك أي أناس حولنا، وجميع المحلات مغلقة، ولم يمر أمامنا سوى سيارتين، وبالطبع لم أستطع أن أتمالك نفسي وقمت بمقارنة؛ فالشوارع في مصر ليلاً صاخبة ومكتظة بالناس في كل ليلة من ليالي الأسبوع، وانتابني شعور ساعتها لم أشعر به من قبل، شعور بأني بمحاولة الوصول إلى شيء لم يعد بإمكاني الحصول عليه، فقد حنيت إلى الوطن.

وصلنا إلى السكن، ومرة أخرى لم يكن هناك أحد حولنا، ودخلت إلى المبنى الخاص بي؛ وأول شيء رأيته كان الغرفة المشتركة التي كانت تبدو مرتبة بشكل جيد، ولكنني بعدها دخلت إلى غرفتي لأجد مظهراً من مظاهر الكآبة، فالغرفة كانت باللونين الأبيض والرمادي، أما الأثاث فكان بني اللون ومتناثراً في أرجاء الغرفة، ولم يكن السرير تغطيه أي فرشات أو وسادات، وحينها انتابني الشعور السابق مرة أخرى.كنت وحيدة، ومحتجزة في مكان بعيد عن الوطن، اشتقت إلى عائلتي وأصدقائي وحتى أني اشتقت إلى سريري.

لم أستطع التواصل مع المصريين الآخرين، فقد جعلونا في مباني متفرقة ولم أكن أعرف أي المباني يقيمان فيها. جلست على السرير وقلت لنفسي يجب أن أكون قوية. ففي النهاية، أنا من تطوعت وسجلت في هذا، وأنا من قررت المغامرة بنفسي في بلد غريب، وأنا التي دائماً ما اعتبرت نفسها مستقلة بذاتها وقوية. أقنعت نفسي بأن هذه الليلة الأولى فقط، وأن غداً سيكون أفضل بكثير.

وأتي اليوم التالي، ولكن لم تكن الأوضاع أفضل بكثير، فأسبوعي الأول في الدنمارك صادف أن كان آخر أسبوع في شهر رمضان المعظم الذي نصوم فيه حتى غروب الشمس. ولحسن طالعي، كانت الشمس تغرب في ذلك الوقت في الساعة 9 ليلاً، وهذا يعني أن أستيقظ وأذهب إلى الجامعة في 9 صباحاً حتى 4 ليلاً، وأرجع منهكة لكي أعد لنفسي وجبة أشق بها صيامي. كان هذا إلى الآن أشق وأصعب أسبوع في حياتي ناهيك عن ذكر أنني كنت أحاول التكيف مع مكاني الجديد.

وحقيقة لم أكن أحاول التكيف مع مكاني الجديد فقط، بل التكيف مع ثقافة جديدة كذلك. ولكي أكن صريحة، لم أكن أعرف الكثير عن الدنمارك قبل أن آتي إليها، كنت أعرف فقط أنها بلد صغير يكرهها  العرب بسبب الرسومات الكرتونية المسيئة. وقد سمعت أيضاً أكثر من تعليق عن تعامل الدنماركيين بعنصرية تجاه العرب والمسلمين على وجه الخصوص. وعادة ما لا أحب تلك الصور النمطية المسبقة وأحاول جاهدة الابتعاد عنها، ولكننا لا ندري أحياناً بالصور النمطية التي تأصلت في اللاوعي عندنا، وكنت أعتقد إلى حد ما أن الدنماركيين ربما لن يكونوا مرحبين.

ولكنني كنت مخطئة، فلقد مضى على وجودي في الدنمارك 6 أسابيع ولم أتعرض لأي شكل من أشكال العنصرية، ولم يجعلني أحدهم أشعر في مرة أني أدنى منهم منزلة بسبب أني لست دنماركية شقراء وعيناي زرقاء. فالدنماركيون كانوا ودودين ومساعدين ومرحبين جداً في حقيقة الأمر.

لذلك يكفي تذمراً، لأنني يوم أن اعتدت على حياتي في أورهوس، ويوم أن اعتدت على نمط الحياة هنا، بدت الأمور تسير في انسيابية تامة. استغرقني الأمر بعض الوقت لكي أدرك أنه يجب علي أن أطبخ لنفسي وأنظف وأغسل الملابسي. فأنا أسكن في مصر مع والدي، وأساعد بالطبع في أعمال المنزل، ولكن ليس لدرجة أن أفعل كل شيء بنفسي، وصراحة، لازلت لا أستطيع أن أقتنع بهذه الفكرة، فأنا أفضل أن آكل من المعلبات على أن أقضي ساعة في إعداد الطعام ومن ثم أغسل الأطباق. ولكنني ممتنة لهذه الفرصة، وأظل أردد وأخبر نفسي أنه بعد انقضاء هذه الأشهر الأربعة، سأكون طاهية محترفة بحق.

أما غرفتي فأصبحت أفضل نسبياً مما كانت عليه وقت أن دخلت إليها لأول مرة، فلقد أحييتها وأضفت إليها بعض اللمسات الشخصية. فالعلم المصري صار يتدلى الآن على حائطي، في محاولة مني كي أقرب الوطن أكثر مني. أسكن مع 13 طالباً يتحولون تدريجياً من غرباء إلى أصدقاء لي في بلد غريب بدأت أشعر أنه يمكن اعتباره وطناً بمرور يوم بعد الآخر.

لقد أدركت كم أنا محظوظة كوني هنا، فتواجدي هنا مكنني من تجربة الحياة من منظور مختلف. فتكيفت كلية مع ثقافة مختلفة كل الاختلاف عن ثقافتي، بالطبع قد يفرض ذلك على الشخص تعلم اللغة الدنماركية، ولكنها تبدو لغة معقدة للغاية والجميع هنا يتحدث الإنجليزية بطبيعة الحال.

إلى الآن، أستمتع بالأيام المشمسة القليلة التي تعيشها مدينة أورهوس محاولة أن أتأهب نفسياً لأيام الشتاء المظلمة القادمة. وأعتقد، بل لا أعتقد فحسب، بل أعرف أنه من الأكيد أن أقول أني بدأت أحب الدنمارك.

محتوى رقمي