تسلسل الأحداث من عام 1886 – 1915 … 29 عاما من النضال النسوي

جانب من المسيرة النسوية في عام 2015 (صورة من الأرشيف)

تمت مطالبة البرلمان الدنماركي بمنح المرأة حقها في التصويت لأول مرة عام 1886. حيث قام فريدريك باجير من خلال حزب فيستر (الليبرالي) (MP 1872-1895) بطرح مشروع قانوني يهدف إلى إعطاء النساء اللواتي يقمن بدفع الضرائب حقهن في التصويت على انتخابات مجلس مدينة كوبنهاغن.

وقد كان فريدريك باجير عضواً فعالاً في دعم حقوق المرأة لسنوات عديدة. ففي عام 1871 قام هو وزوجته ماتيلد باجير على تأسيس أول منظمة نسائية في الدنمارك، تدعى DANSK Kvindesamfund (جمعية المرأة الدنماركية) التي قدر المجتمع جهودها لاحقاً بعد عدة سنوات, وقام بتلبية مطالبها التي سعت إلى تأمين النساء الغير المتزوجات من خلال السماح لهن بالتعلم و العمل. كما تم تغيير قانون الزواج الشرعي الذي كان قائماً في تلك الفترة.

ولقد لاقى المشروع القانوني الذي قدمه باجير دعماً كبيراً عام 1886، ولكن كانت هناك بعض الانتقادات لإدراج النساء المتزوجات فيه. لم يحكم على هذا المشروع نهائياً, فلذلك قام فريدريك باجير بعرض هذا الاقتراح مجدداً على البرلمان في جلسة عام 1887, آخذاً بالحسبان الانتقادات التي يمكن أن يتعرض لها هذه المرة. ففي تلك الفترة لم يكن يطبق هذا المشروع سوى على الأرامل والنساء الغير المتزوجات حيث حصلن على حقهم في التصويت على الانتخابات المحلية.

خارج البرلمان، صعدت الحركة النسائية تشديدها على المطالبة بمنح المرأة حقها في التصويت، فأدّى ذلك إلى خلق نوع من الخلاف داخل جمعية المرأة الدنماركية . كما رفض أعضاء الهيئة الاجتماعية الاقتراح الذي قدم لإدراج طلب المرأة لمنحها حق التصويت ضمن بنود وقرارات هذه الهيئة ووافقوا عليه فقط فيما يخص النساء الأرامل وغير المتزوجات والسماح لهن بالتصويت في الانتخابات المحلية كنوع من الدعم الذاتي.

 نال هذا المشروع الموافقة بأغلبية ساحقة في البرلمان, فتم بذلك إحالته إلى مجلس الشيوخ (لاندستينغ) الذي كان أغلب أعضائه من حزب اليمين) the Højre, الذي أعيدت تسميته ليصبح الحزب المحافظ عام 1915).  فعلى الرغم من انتخاب مجلس النواب (فولكتينغ) – الذي يحتل فيه الحزب الليبرالي أكثر المقاعد- لأعضاء البرلمان، إلا أنّ مجلس الشيوخ (لاندستينغ) هو نتيجةً لانتخابات غير مباشرة ويتمتع بامتياز التصويت على القرارات.

 ولعل جلّ ما يعكس الواقع السياسي الدنماركي في فترة الثمانينات والتسعينات هو الخلاف الذي كان سائداً بين مجلس النواب الداعم لحق المرأة بالمشاركة بالتصويت على الانتخابات المحلية وحزب الشيوخ المعارض لها. وقد تمّ طرح المشروع القانوني للمطالبة بمنحها هذا الحق مرة بعد مرة إلا أنّه قوبل بالرفض مراراً وتكراراً.

وكان لمعارضي حق المرأة في الاقتراع ثلاث حجج رئيسية وهي:

زعموا بأنّ المرأة بطبيعتها وتركيبتها النفسية غير صالحة للعمل السياسي. وكرد على ادعائهم هذا، إنّهم يستطيعون توفير الرعاية والتعاطف مع المرأة التي ستجعلها قادرة على أداء مهماتها الأساسية كزوجة وأم على أكمل وجه. شاركت المرأة في التمثيل السياسي سابقاً عن طريق زوجها. ولأنه لم يكن في مصلحة المجتمع تحويل الزواج إلى ساحة معركة سياسية، قام بإلغاء التعامل مع المبدأ التقليدي للتفرقة بين الجنسين.

اشتدت المطالبة على منح المرأة حقها في التصويت

خارج البرلمان، صعدت الحركة النسائية تشديدها على المطالبة بمنح المرأة حقها في التصويت، فأدّى ذلك إلى خلق نوع من الخلاف داخل جمعية المرأة الدنماركية على سبيل المثال. كما رفض أعضاء الهيئة الاجتماعية الاقتراح الذي قدم لإدراج طلب المرأة لمنحها حق التصويت ضمن بنود وقرارات هذه الهيئة عام 1884، ووافقوا عليه فقط فيما يخص النساء الأرامل وغير المتزوجات والسماح لهن بالتصويت في الانتخابات المحلية كنوع من الدعم الذاتي.

وفي عام 1886 تبنى عدد من الأعضاء البارزين النهج الحذر لجمعية المرأة الدنماركية، ومنهم مؤسسها ماتيلد باجير، الذي ما لبث أن ترك هذه الجمعية وقام بتأسيس جمعية أخرى تدعى بـ Kvindelig Fremskridtsforening (جمعية تقدم المرأة).

ويتضمن برنامج “جمعية تقدم المرأة”  العديد من القضايا المتعلقة بالعمّال وشؤون السلام إلى جانب قضية المرأة. وفي عام 1888 , عقدت الجمعية مؤتمراً اسكندنافياً هاماً في كوبنهاغن، مع امتياز برلماني لمناقشة شؤون المرأة باعتبارها واحدة من أهم القضايا الأساسية في المجتمع. كما أصدر الرئيس جوهان مايرالذي كان ذو فكر راديكالي ليبرالي مجلة خاصة بجمعية تقدم المرأة سميت ب”ماذا نريد” “Hvad vi vil”، حيث أنه كان أول من يتكلم بالقضايا المستجدة: كحركة السلام الدولية و المراحل الأولى من الحركة الإشتراكية.

لقد أصبحت لاين لبلو، زوجة أحد رجال الدين في مدينة فاردي في يوتلاند، رئيسة أول جمعية دنماركية تطالب من خلال برنامجها بمنح المرأة حق التصويت واعتبار هذه القضية النقطة الوحيدة فيه. كما قامت أيضاً بتأسيس هيئة تدعى بـ (جمعية حق المرأة الاقتراع) Kvindevalgretsforeningen عام 1889.

حيث كان للاين لبلو شهرة وطنية سابقة عام 1887، عندما رفعت عريضة في يوتلاند الغربية دعمت من خلالها مشروع فريدريك باجير القانوني البرلماني الذي اقترح منح المرأة حقها في التصويت على الانتخابات المحلية. وكما وقُعت هذه العريضة من قبل20000 شخص، السبب الذي أدى إلى حدوث اضطراب في البرلمان الذي لم يتوقع حصول هذه الحملة الانتخابية على كلّ هذا الدعم الهائل في واحدة من أكثر المناطق النائية في البلاد.

مشاركة المرأة في اجتماعات الحملة الانتخابية

تعهدت جمعية حق المرأة في الاقتراع بتنظيم حملات واجتماعات عامة لمناقشة حق المرأة في التصويت. حيث يتم من خلالها استجواب المرشحين لعضوية البرلمان والاستفسار عن آرائهم بخصوص هذه المسألة. وسيتم إجراء هذه  المناقشات قبل انتخابات مجلسي النواب والشيوخ.

خلال الفترة التي سبقت انتخابات عام 1890، ولأوّل مرة ظهر أعضاء جمعية حق المرأة في الاقتراع للعوام جنباً لجنب مع جمعية المرأة الدنماركية.

وعلى وجه العموم, لاقت النساء اللاواتي ساهمن في تلك الحملات ترحيباً حاراً، وأجاب المرشحين عن كافة أسئلتهن بأدب شديد. إلا أنّ هناك بعض المدن التي حرمت المرأة من حقها في الكلام، ففي بلدة فردريسا المحافظة في يوتلاند رفض العديد من الناس حضور الاجتماعات والحملات التي عقدت.

وكشفت إجابات الأسئلة التي تم طرحها في الاجتماعات بأنّ أكثر المرشحين التابعين لحزب اليمين هم ضد حق المرأة في التصويت على الانتخابات البرلمانية و المحلية، بينما أيد من هم تابعين للحزب الليبرالي والحزب الاجتماعي الديمقراطي هذا الحق إلى حد كبير وكانوا على  أتم استعداد للعمل والإصرار على تحسين الوضع القضائي للمرأة. ولكن لم يكن أيٌّ من الطرفين يعتبر أنّه حان الوقت لمناقشة جدية حول حق المرأة في التصويت في الانتخابات البرلمانية بجدية.

اعتبرت الإجراءات التي اتُخذت عام 1890 ناجحاً باهراً على الرغم من الاستجابة الضعيفة للمرشحين. حيث وصل موضوع حق المرأة في التصويت لعدد كبير من الناس عن طريق نشر التقارير في الصحف. كما أفصحت حركة suffragettes الدنماركية عن آرائها بشكلٍ معلن للمرة الأولى في اجتماعات وحملات البرلمان الانتخابية.

منذ ذلك الحين، وبتشديدٍ أقوى، استمر هذا النوع من النشاط عند إجراء كل انتخاب إلى أن تم أخيراً منح المرأة حقها في التصويت عام 1915.

منح المرأة حقها في التصويت في الانتخابات المحلية

تم انتخاب الحكومة الليبرالية الجديدة عام 1901، حيث بدأت بإصلاح برنامج عملها وقامت بتشكيل عدد من المجالس الجديدة تحت رعاية السلطات المحلية: مجلس الكنيسة الأبرشية Menighedsråd) ) عام 1903، مجلس رعاية الأطفال والشباب وتلبية احتياجاتهم (Værgeråd) عام 1905، و صناديق الإغاثة (Hjælpekasser)عام 1907. وتم اختيار جميع أعضاء هذه المجالس من خلال الانتخاب العام، وحيث شهدت الانتخابات مشاركة مميزة للمؤهلات من النساء سواء عن طريق التصويت أو الترشُّح.

على الرغم من قيام هذه المجالس بخطوة إيجابية كبيرة ومساهمتها في وصول المرأة إلى السياسة المحلية، إلا أنّ الجهود التي سعت إلى الدفاع عن قضية في السماح لها بالتصويت على الانتخابات المحلية ظلت مستمرة.

في تلك الفترة وعلى الرغم من دعم أغلبية أعضاء مجلسي النواب والشيوخ  مبدئياً لمنح النساء اللواتي يقمن بدفع الضرائب حقهم في التصويت على الانتخابات المحلية، إلا أنّ صعوبات جديدة قد واجهت هذا الطلب مجدداً.

وفي عام 1903 أقر البرلمان على المشروع القانوني الذي سعى إلى منح النساء المتزوجات والغير متزوجات على حد سواء حقهن في التصويت على الانتخابات المحلية. إلا أنّ مجلس الشيوخ قام بإلغائه لأنّه لا يتضمن مبدأ الامتياز الذي ينص على منع رجال ونساء الطبقات الاجتماعية الدنيا -بما فيهم الخدم- من المشاركة في التصويت.

وفي عام 1908، بعد طول انتظار, وبعد أن تخلى مجلس الشيوخ عن مبدأ الامتياز في التصويت-الذي يقسم الناخبين من السكان إلى قسمين لكل منهما حقوقه الخاصة-  تم تطبيق المشروع القانوني بمنح جميع النساء والرجال الدنماركيين الذين هم فوق سن 25 حقهم في التصويت على الانتخابات المحلية حيث تم إصداره في نهاية المطاف من قبل مجلسي النواب والشيوخ التابعين للبرلمان.

بعد إجراء الانتخابات المحلية لعام 1909، كانت جميع الأطراف راضية. حيث شعر مؤيدو حق المرأة في التصويت على الانتخابات المحلية بالارتياح لوصول نسبة النساء المشاركات إلى 50٪، ولعل رضا المعارضين لهذا الحق عن نتائج انتخابات المجالس المحلية يعود إلى انتخاب 127 امرأة فقط مقابل 9682 الرجال.

 التغلب على العقبات الأخيرة

و كما هو متوقع، كان نيل المرأة حقها في التصويت على الانتخابات المحلية منبراً تسعى من خلاله إلى التحرك لتطبيق هذا الحق على الانتخابات البرلمانية. خلال السنوات التي تلت تلك الفترة، قامت العديد من النساء اللواتي عمل في مجال السياسة المحلية بعمل هام لدعم وتأكيد كفاءة المرأة للمشاركة بالعمل السياسي.

انحسر معارضو حق المرأة في التصويت شيئاً فشيئاً. وتحسنت آراء حزب اليمين بهذه القضية ولعلّ ذلك يعود إلى طبيعة النساء اللواتي هن أكثر تحفظاً من الرجال وأنّ منحهن حق التصويت سيؤدي إلى زيادة في عدد المقاعد التي سيفوز بها الحزب.وبسبب تجدد الاضطرابات السياسية بشأن الدستور، كان على المرأة أن تنتظر سبع سنوات قبل حصولها على حقها في  التصويت على الانتخابات البرلمانية.

في عام 1907, قدّم الحزب الاجتماعي الديمقراطي في مجلس النواب طلب منح المرأة حق التصويت على الانتخابات البرلمانية, قبل سنة من الموافقة على المشروع القانوني الخاص بالانتخابات المحلية. حيث كان هذا الاقتراح شكلاً من أشكال التمهيد للمناقشات الرئيسية التي ستجرى على الدستور الجديد.

شهدت فترة ما بين عامي 1918 -1925 إصدار عدد من المشاريع القانونية ذات النطاق الواسع التي تتناول قضايا المرأة ومساواتها بالرجل. حيث كان للعديد من النساء العاملات في مجال السياسة- مثل النا مونش، ماتيلد هوسكولتز، إنغر غوتييه, شميت ونينا بانغ- مكانة مرموقة أثناء النقاشات التي نتج عنها إعادة تشكيل قانون الزواج الذى تمّ بموجبه إعطاء الأمهات حقهن في حضانة أطفالهن. وكما قام موظفو الخدمة المدنية بمساواة رواتب العاملات بالعاملين. وهكذا استطاعت المرأة الوصول إلى جميع الوظائف الحكومية العامة عدا الوظائف الدينية. كما تمكنت من تخطي النطاق السياسي التقليدي الذي وضع لها، حيث عملت في مجالات عديدة وتتركت أثرها الخاص هناك.

ولعل الاختلاف الذي يعيق تبنّي الدستور الجديد يتجلى في نقطتين رئيسيتين: 1) عدم الاتفاق على ما إذا كان ينبغي خفض سن الاقتراع أم لا.2) بالإضافة إلى تركيبة مجلس الشيوخ. ولكن من ناحية أخرى، كان هناك تأييد واسع النطاق لمنح حق التصويت للمرأة.

استمرت هيمنة حزب اليمين من 1909 إلى 1915 بسبب احتلاله أغلبية مقاعد مجلس الشيوخ والحكومات التي استلمت الحكم في تلك الفترة. حيث قدّم عدّة مقترحات للدستور الجديد. إلا أنّه كان يتم إلغائها في كل مرة. حتى حلول عام 1915، حيث تعرّض هذا الحزب لهزيمة ساحقة في انتخابات عام 1914. وبذلك تمّ إصدار الدستور الجديد الذي أعطى المرأة حقها في التصويت على الانتخابات البرلمانية و طُبق على كل من حزب النواب ومجلس الشيوخ.

أول امرأة تعمل كسياسية في البرلمان

على الرغم من الجهود الحماسية الكثيفة التي بذلتها عدد من المنظمات النسائية، لم يتم انتخاب سوى تسعة نساء فقط لغرفتي البرلمان في انتخابات عام 1918. حيث انتخبت أربعة نساء لمجلس النواب (فولكتينغ) وخمسة أخريات لمجلس الشيوخ (لاندستنغ).

لقد شهدت فترة ما بين عامي 1918 -1925 إصدار عدد من المشاريع القانونية ذات النطاق الواسع التي تتناول قضايا المرأة ومساواتها بالرجل. حيث كان للعديد من النساء العاملات في مجال السياسة- مثل النا مونش، ماتيلد هوسكولتز، إنغر غوتييه, شميت ونينا بانغ- مكانة مرموقة أثناء النقاشات التي نتج عنها إعادة تشكيل قانون الزواج الذى تمّ بموجبه إعطاء الأمهات حقهن في حضانة أطفالهن. وكما قام موظفو الخدمة المدنية بمساواة رواتب العاملات بالعاملين. وهكذا استطاعت المرأة الوصول إلى جميع الوظائف الحكومية العامة عدا الوظائف الدينية. كما تمكنت من تخطي النطاق السياسي التقليدي الذي وضع لها، حيث عملت في مجالات عديدة وتتركت أثرها الخاص هناك.

بقي عدد النساء في مجلسي البرلمان على ما هو عليه حتى ما بعد الحرب العالمية الثانية حيث بدأ يزداد بشكلٍ بطيء. ومع تناول القضايا السياسية للمرأة في فترة السبعينات وصلت نسبة التمثيل النسائي في البرلمان إلى ما يقارب 25٪. وفي الانتخابات البرلمانية الأخيرة عام 2005، كانت نسبة النساء اللواتي رشحن أنفسهن في الانتخابات 37٪.

محتوى رقمي