حتى لا يضيع إرثنا الإنساني…

المحامية خلود الخطيب تكتب عن تجربتها في برنامج ثادة التفاهم الديني تصوير: يانيه أندريسن

أنا مواطنة…. أعيش في زمن الخيبات والخوف والانقسامات… في زمن تطالعنا فيه بشكل يومي صورة قاتمة عن جرائم بحق الإنسانية وأخبار لا تخلو من الإقصاء والالغاء والتكفير، وجرعات يومية من الشحن الطائفي تؤكد على تزايد حالات التطرف وتهّدد نسيج الوحدة والتعددية.

أنا مواطنة…. أعيش في واقع لبناني عنوانه “الفراغ”، الفراغ الدستوري والرئاسي والمؤسساتي، وفي طيّاته فراغات متعددة مليئة بالتفكك الإجتماعي والانقسام الوطني. أعيش في واقع لبناني تبدلّت فيه لغة المواطنة وإحترام الآخر وحقوق الإنسان بلغة الإقصاء والتهميش السياسي، في واقع إنعدمت فيه السياسات الإجتماعية والإقتصادية والتنموية التي تحترم الإنسان المواطن وتعزّز حقوقه المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

أنا مواطنة…. اسـأل نفسي يومياً “هل أصبح إرثنا الإنساني مهدّد؟” هل بات التطرف وحدة الخطابات والسياسات الالغائية تؤسس لمناخ عام ينشر ثقافة العداء والكراهية؟ د. خلود الخطيب

أنا مواطنة…. أعيش في بلد أصبح على شاكلة “وطن منفي قصراً” نصحو فيه كل يوم على إحساس باللامبالاة والاحباط وعدم المساواة. أعيش في واقع غابت فيه ثقافة التسامح وزادت مؤشرات الفقر والبطالة وأعداد اللاجئين والنازحين، في واقع بلغت الطائفية مرحلة الغلو، فمهما حاولنا إخفاءها باتت عميقة في نفوس اللبنانيين حتى كادت أن تصبح الهوية الآحادية.

أنا مواطنة…. اعيش في زمن “تكلّسنا” فيه بأحادية الرأي، وغيّبنا قيم الحوار والديمقراطية، في زمن أفرزت حدة الخطابات الدينية المتطرفة حركات إتسمت وتتسم بالعنف والتطرف، لا تؤمن بالتعددية ولا بالتسامح ولا بقبول الآخر.

أنا مواطنة…. اسـأل نفسي يومياً “هل أصبح إرثنا الإنساني مهدّد؟” هل بات التطرف وحدة الخطابات والسياسات الالغائية تؤسس لمناخ عام ينشر ثقافة العداء والكراهية؟

أنا مواطنة تشاركت هذا الهاجس مع زملائي، وخرجنا بايمان مشترك بأن نحافظ على هذا الارث الإنساني الذي كرّسته الرسالات السماوية والقيم الانسانية والطبيعة البشرية التي ميزّتنا وأغنتنا بتنوع الثقافات والحضارات والتعددية في الأديان والتقاليد والعادات والأراء والإنتماءات.

 آمنا أنه ليس بمقدور لبنان أن يتخطى الأزمة الا إذا تبنى لغة المواطنة والتفاعل الايجابي بين مكنونات المجتمع. آمنا بضرورة ان نتفاعل مع بعضنا إيجابيا وأن نتحول من حالة السلبية والشعور بعدم الانتماء وإتخاذ نصف الموقف في المشاركة في قضايانا الوطنية والانسانية الى التزام بقضية “المواطنة الحاضنة للتنوع”.

في عاصمة الدنمارك كوبنهاغن 2013 كانت نقطة الانطلاق في برنامج ” قادة التفاهم الديني” “Leaders for Interreligious Understanding”  الذي بدأنا فيه شباب عربي وأوروبي ووضعنا حجر الاساس لرسم خطط وسياسات مستقبلية في قضايا المواطنة ومناهضة العنف والتطرف. هذا البرنامج فضاؤه واسع سعينا من خلاله على تعميق المساحات المشتركة واحترام الاختلاف الفكري والديني والثقافي. تعمقّنا فيه بدراسة إلكترونية معمقة في التطرف  بأشكاله المختلفة وأسبابه ومصادره وسبل مواجهته، إطلعنا على مصادر متخصصة مختلفة ومتنوعة، وسعينا لبلورة أدلة تدريبية تساهم في تزويدنا بالمعرفة والأدوات والأدلة التدريبية. آمنا بضرورة أن نعمل معاً على وضع استراتيجيات تمّكننا من بناء قدراتنا وقدرات الشباب ونقل هذه المعرفة والتدريبات والتمكينات إلى مكوّن انساني ثقافي قادر على تفعيل الجوانب الفكرية والانسانية.

عن برنامج قادة للتفاهم الديني

انطلق البرنامج في عام 2012 بمبادرة من مؤسسة دانميشون وعدة مؤسسات مصرية ولبنانية ويشارك فيه كل عام عشرات الشباب من الدنمارك والعالم العربي و يهدف إلى بناء قدرات القادة الشباب في مجال الحوار الثقافي  والديني  وتعزيز قواعد المصالحة والتكامل والمشاركة السياسية من  خلال المبادرات الدينية المشتركة.

موقع البرنامج الإلكتروني 

قائمة المشاركين في اللقاء الثالث  

آمنا بأنه بات من الضروري ان نعيد التوازن لحياتنا اليومية وان نعمل على تأصيل ثقافة التسامح لمواجهة التطرف والعنف المجتمعي وترسيخ القيم الانسانية التي تقوم على الاعتدال والتسامح وقبول الآخر وتعزيز قيم المواطنة وحقوق الانسان لمواجهة غلو التطرف. بات من الضروري ان نرسخ ونجذّر لغة الحوار والتعايش فيما بيننا بكل اختلافاتنا حتى نذّوب خلافاتنا ونبني جسور التلاقي مع بعضنا ومع الحضارات الاخرى لأن العلاقات الانسانية تبنى على التعايش الحقيقي والاندماج وليس بالعزل والاقصاء.

نحن مواطنون نتبنى مواجهة “التغّول” الفكري المتطرف الالغائي والاقصائي ايمانا منا بان قضيتنا هي قضية مقدسة وقداستها تكمن في احترام الكرامة الانسانية والحق بالحياة.

ان ايماني بفكرة المشروع لا يحتاج لأي مبرر لأن هويتنا الانسانية والحاجة الملحة لأن نبقى معا تحتّم علينا اتخاذ خطوات ايجابية حتى نلتقي ونرتقي بالحوار ونؤسس لمبادئ تترّسخ فينا لا تذوّبها التجاذبات السياسية والانتماءات الدينية المختلفة.

 انا مواطنة…. آمنت بأهمية هذا المشروع ورسالته وأهدافه والحاجة لإستمراره…. لا اريد أن أخسر قضية آمنت بها….حتى لا يضيع ارثنا الانساني.

نشرة تعريفية ببرنامج قادة للتفاهم بين الأديان

محتوى رقمي