“خريطة التحرش” مبادرة للقضاء على الظاهرة وتوعية المجتمع في مصر

الحملة نشرت ملصقات في عدة مدن مصرية تشرح أهمية مواجهة هذه الظاهرة (صورة من الحملة)

في بلد هي الأسوأ بالنسبة لحرية المرأة، وفقا لتقرير منظمة تومسون رويترز الدولية الأخير، لم يعد التحرش قاصرا على “المعاكسات” في الطرقات، أو محاولة اللمس بالأيدي، بل تعداها إلى حالات أقرب إلى الاغتصاب الجماعي شهدها ميدان التحرير، ميدان الثورة، في القاهرة، وهو ما دفع الشباب إلى العمل على مواجهة هذه الظاهرة، لتخرج مبادرات كثيرة مثل “شفت تحرش”، و”قوة ضد التحرش”، وغيرها، ووسط هذه المبادرات خرجت “خريطة التحرش”، وهي مبادرة للإبلاغ عن حوادث التحرش بشكل إلكتروني بالتعاون مع برنامج الشراكة العربية الدنماركية.

خريطة التحرش

وتقول أمل فهمي، أحد مؤسسي مبادرة خريطة التحرش ” “Harass Map، إن الخريطة هي منبر للحشد الجماعي أنشات عام ٢٠١٠م لمواجهة مشكلة التحرش الجنسي المستعصية، والتي تعاني منها النساء بشكل متكرر في مصر، وهي عبارة عن موقع إلكتروني يسعى لجمع  المعلومات عبر بلاغات الضحايا، والعمل على توعية المواطنين في الأماكن التي تنتشر فيها الظاهرة.

خارطة تظهر حالات التحرش التي تم تسجيلها حسب إحصائيات الحملة.
خارطة تظهر حالات التحرش التي تم تسجيلها حسب إحصائيات الحملة.

وأضافت فهمي إن المبادرة تعمل على دعم الضحايا من خلال نظام الاحالة إلى منظمات المجتمع المدني المختصة، إضافة إلى العمل  مع شبكات المجتمع المحلي من أجل خلق مناطق “لا تسامح فيها” مع التحرش الجنسي، مشيرة إلى أن عدد المتطوعين في المبادرة يصل  الآن إلى ألف متوقع، ويتم تطبيق المبادرة نظرا لنجاحها في ثمان  دول أخرى في شمال إفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا .

 سوء التربية

واشارت فهمي إلى دراسة أجرتها المبادرة حول ظاهرة التحرش، أظهرت أن النساء في مصر يتعرضن للتحرش بغض النظر عن أعمارهن، حيث أكدت 95.3% من المبحوثات تعرضهن للتحرش خاصة في الشوراع بنسبة 81.4%، والمواصلات العامة بنسبة 14.8%، بينما أكد (17.7%) من المبحوثين تدخلهم عند مشاهدتهم لحوادث تحرش جنسي.

المبادرات المجتمعية الأخيرة للحد من التحرش استطاعت كسر التابووه الخاص بهذه الظاهرة، وفتحت الجدل حولها، بدلا من حالة الصمت  التي كانت سائدة في السابق”. سما التركي

ولفتت فهمي إلى الآثار النفسية للتحرش، حيث يشعر 81.8% من الضحايا بالضيق والاستياء، وأكد 77.3% من المبحوثين الذكور قيامهم بالتحرش، لكنهم كانوا غير مستعدين لمناقشة ما فعلوه بالتفصيل، وقالت فهمي إن أكثر من 60% من المبحوثين أرجعوا سبب التحرش إلى سوء التربية، بينما ربطه ما يقرب من 50% بقلة الوعي الديني، بينما أكد 34% من المبحوثين أن سببه هو الطبت الجنسي، أو غياب الرقابة، وأرجعه آخرون إلى ملابس النساء.

الخوف من  الفضيحة

وأضافت فهمي إنه رغم التطور الذي حدث في المجتمع، وقيام عدد من الفتيات بالإبلاغ غن تعرضهن للتحرش، إلا أن عدد قليل من عينة البحث أشار إلى قيامه بتقديم بلاغات رسمية، وعادة ما يكون ذلـك بسـبب الخوف من الفضيحة.

وأشارت فهمي إلى أن الذكور كانوا أكثر تقبلا لفكرة الإبلاغ عن حوادث التحرش بشكل إلكتروني، بينما تخشى النساء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لشعورهن بعدم الأمان والخوف من احتمال الكشف عن هويتهن.

شراكة دنماركية -مصرية لمناهضة التحرش

يعمل مجلس المرأة في الدنمارك مع عدة جمعيات مصرية بهدف مناهضة التحرش والعنف ضد المرأة في البلاد وقد نظم المجلس، الذي يدعم مشاريعه برنامج الشراكة الدنماركية العربية، عدة ورشات عمل في الدنمارك ومصر سلطت الضوء على الظاهرة وناقشت كيفية التغلب عليها من خلال حملات توعية وكذلك توفير المساعدة القانونية للنساء المعنفات. 

وتؤكد فهمي ضرورة بناء صورة إيجابية عن المرأة في الأماكن العامة، والعمل على دعم التشريعات القانونية الخاصة بالتحرش للتمكن من مواجهته، وتشجيع التعاون بيــن الجهات المعنية علـى المستوى المحلي، والترويج لصورة أكثر إيجابية لأقسام الشرطة كهئيات تقدم خدمات لكل المصريين، والتواصـل مـع شـريحة الشـباب مـن خـلال وسـائل غير تقليدية مثل وسـائل التواصل الاجتماعي.

وقالت فهمي إنه عند وصول بلاغات عن التحرش تعمل المبادرة مع المجتمع وأهالي المنطقة، وتقوم بتشكيل مجموعات عمل من أهل المنطقة، مدربة على التعامل مع الناس، للحديث معهم عن التحرش، مشيرة إلى أنه عادة ما يكون هناك نوع من الإنكار لوجود التحرش في هذ المنطقة أو تلك، وفي الأغلب يتم إلقاء اللوم على المرأة وملابسها.

خطوة للأمام

بينما تقول سما التركي، منسقة العلاقات الدولية بمركز قضايا المرأة، إن المبادرات المجتمعية الأخيرة للحد من التحرش استطاعت كسر التابووه الخاص بهذه الظاهرة، وفتحت الجدل حولها، بدلا من حالة الصمت  التي كانت سائدة في السابق، مشيرة إلى أن هذا الجدل سيساعد في حل القضية في يوم من الأيام.

وتضيف إن هذا الجدل وهذه المبادرات هي التي أدت إلى إصدار قانون للتحرش، وهذه “خطوة للأمام” في مواجهة الظاهرة على حد تعبيرها.

وتشرح جواهر الطاهر، مدير وحدة الوصول للعدالة بمركز قضايا المرأة، آليات عمل المركز في مواجهة  التحرش، حيث يلتقي المركز بالضحايا، ويعمل على تقديم الدعم النفسي لهن، عن طريق  الأخصائيين النفسيين، كما يعمل على تقديم الدعم  القانوني  لهن، لمحاسبة المتحرشين، إضافة إلى التدخل العاجل مع الحالات التي تحتاج للتدخل العاجل باقسام الشرطة، وتقديم الدعم القانوني لهن بداية من كتابة المحضر اللازم حول الواقعة ومتابعة القضية بعدها، والتواصل مع الحركات الشبابية المناهضة للتحرش والمساندة القانونية لأعضائها حال تعرضهم لمشاكل قانونية بأقسام الشرطة، وتوثيق شهادات ضحايا التحرش، وعمل ندوات توعية للنساء حول التحرش وحقوقهن القانونية.

تهديد الضحايا

وتشير الطاهر إلى أن المركز دافع عن عدد من أعضاء الحركات المناهضة للتحرش، عندما اعتقلتهم الشرطة خلال أحد الأعياد، ونجح في الإفراج عنهم، لافتة إلى أنه في أحد القضايا التي تعامل معها المركز تحولت ضحيتين من ضحايا التحرش إلى متهمتين عقب تراجعهما عن أقوالهما بسبب تهديدات أهالي المتهمين، وقالت استطاع المركز أن يحصل على قرار بحفظ التحقيق.

وأضافت إنه على الرغم من محاولات المركز محاسبة الجناة بشكل قانوني إلا أنه في بعض الأحيان يتم حفظ التحقيق دون محاسبة أحد، كما حدث في قضية التحرش التي تعرضت لها طفلة تدعى سحر، مشيرة إلى انه رغم تدخل المركز وتقديمه لبلاغ قانوني، تم حفظ التحقيق، وتابعت :” مازلنا نعمل علىى هذه القضية حتى يعاد فتحها من جديد ومحاسبة الجاني”.

مبادرة “قوة ضد التحرش” هي عبارة عن مجموعة تم تكوينها لحماية النساء في ميدان التحرير من التحرش، بالتعاون مع مؤسسة “نظرة”، ويعمل أعضاء المبادرة على إنقاذ النساء عن تعرضهم للتحرش في أوقات المظاهرات والتجمعات في ميدان التحرير، وتقديم الدعم الطبي والنفسي لهن إن لزم الأمر”. إيناس مرزوق

وحول  الصعوبات التي تواجه المركز في عمله قالت الطاهر إن بعض الحالات تتراجع عن البلاغ لما تلاقيه من تهديدات من الجاني، كما أن وحدة مناهضة العنف بوزارة الداخلية غير مؤهلة لاستقبال ضحايا التحرش والتعامل معهن، وأحيانا لا يقوم الضباط بتحرير محضر للضحية بواقعة التحرش، إضافة إلى أن المجتمع مازال يحمل الضحية المسؤولية وليس الجاني، كما أن قانون التحرش بالرغم من التعديلات التي أجريت عليه في 5 يونيو 2014، والمتمثلة في تعديل المادة 306 مكرر أ وإضافة المادة 306 ب من قانون العقوبات والمعروف إعلاميا بقانون التحرش، وفقا للمرسوم الرئاسي للرئيس المؤقت السابق المستشار عدلي منصور بقانون رقم 50 لسنة 2014، إلا أن تصوراته عن الاغتصاب والاعتداء الجنسي والتحرش مازالت معيبة وقاصرة، حيث يشترط إثبات وجود منفعة جنسية من وراء التحرش وهو مالا يمكن إثباته أمام المحكمة، حيث إضافة مادة جديد فى قانون العقوبات تحت مسمى المادة 306 مكرر (ب) التي تنص على: “يعد تحرشا جنسيا إذا ارتكبت الجريمة المنصوص عليها في المادة 306 مكرر (أ) من هذا القانون بقصد حصول الجاني من المجني عليه على منفعة ذات طبيعة جنسية، ويعاقب الجاني بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرين ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين”.

قوة ضد التحرش

وتقول إيناس مرزوق، أحد المتطوعات في مبادرة “قوة ضد التحرش”، إن المبادرة عبارة عن مجموعة تم تكوينها لحماية النساء في ميدان التحرير من التحرش، بالتعاون مع مؤسسة “نظرة”، ويعمل أعضاء المبادرة على إنقاذ النساء عن تعرضهم للتحرش في أوقات المظاهرات والتجمعات في ميدان التحرير، وتقديم الدعم الطبي والنفسي لهن إن لزم الأمر.

وتضيف إن المبادرة تعد حلا مؤقتا للمشكلة، لكن هناك مبادرات أخرى تعمل على التوعية وحل جذور المشكلة اجتماعيا، لأن الحل لا يكون دائما بالعنف، ولابد من التحاور مع الشباب وتوعيتهم.

وتقول سكينة فؤاد، مستشارة الرئيس السابقة لشؤون المرأة، إن مثل هذه المبادرات الشبابية لمواجة التحرش دليل على وعي الشباب، بأن عليهم مهمة في مواجهة التحرش، وهي نتيجة من نتائج ثورة 25 يناير.

وتضيف إن التحرش ظاهرة غريبة علىى المجتمع المصري الذي اعتاد أن يحمي البنت، واصفة جرأة الفتيات الآن في الإبلاغ عن التحرش بأنها خطوة رائعة تدل على رفض هذه  الممارسات، وأن البنت لا يمكن أن تكون عاجزة عن الدفاع عن نفسها، مؤكدة أن هذا سيعمل تقليل الظاهرة، والقضاء عليها.

وتشير فؤاد إلى أنها خلال فترة عملها كمستشارة للرئيس عملت مع منظمات المتجتمع المدني والجهات المعنية بالمرأة على إعداد قانون لإنشاء لجنة وطنية لمناهضة العنف ضد المرأة، إضافة إلى تعديل قانون العقوبات لتعريف التحرش، وإدخال الوسائل التكنولوجية كالهواتف كوسائل للتحرش يعاقب عليها القانون، لافتة إلى أن زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي، لإحدى ضحايا التحرش في المستشفى دليل على أن الدولة الآن تقف ضد هذه الظاهرة.

وتقول الكاتبة الصحفية فريدة الشوباشي إن ظاهرة التحرش هي نتيجة لتمجيد النصف الأسفل من الإنسان، والهوس الجنسي الذي يروج له من يصفون أنفسهم بأنهم رجال دين، لكنهم لا يتحدثون عن شيء في الدين سوى المرأة، وملابسها، ليقدموا الدين بصورة مشوهة، مشيرة إلى أن المرأة المصرية في الستينات كانت تحظى بالاحترام ولا تتعرض للتحرش مهما كانت ملابسها، وذلك قبل ظهور التيارات الدينية التي حولت المرأة إلى عورة، والرجل إلى حيوان لا يستطيع كبح غرائزه، مطالبة بتغيير المناهج الدراسية، وتصويب الخطاب الديني في المساجد لمواجهة التحرش.

محتوى رقميجزء من