في العراق … الصحافة الاستقصائية تتحدى الاستهداف وتحصد الجوائز العربية والدولية

سامان نوح(يمين) وميادة داود ومحمد الربيعي يحاولون من خلال تقاريرهم الاستقصائية كشف الحقيقة في بلد تشهد تفجيرات بشكل يومي (تصوير: يانيه أندرسين)

يقوم الصحفيان محمد الربيعي وسمان نوح بتقييم المخاطر  قبل إرسال تقاريرهم للطباعة ويسألون أنفسهم: هل سيتم قطع أعناقهم من قبل داعش؟ أم ستعتقلهم الحكومة؟ أو هل ستطاردهم الأحزاب السياسية أم ستضعهم “مافيا المؤسسات الأهلية” على قائمتها السوداء؟

 وعن منبع هذه المخاطر يقول محمد الربيعي مؤسس شبكة الصحافة الاستقصائية العراقية (نيريج):” نوعية التقارير التي ننتجها تتضمن نقد للقادة السياسيين وهذا بلا شك يضعنا في دائرة الاستهداف في كل مرة نكمل تقريرا صحفيا، فنحن مهددين من الجميع”.

  وحسب الأرقام فقد شهد العراق مقتل أكثر من 149 صحفيا في الفترة ما بين عام 2003 و2013. أحد هؤلاء القتلى هو ابن أخ محمد الربيعي حيث قام تنظيم القاعدة بقتله في عام 2004 ونشر فيديو لمشهد قطع عنقه على موقع يوتوب.

نوعية التقارير التي ننتجها تتضمن نقد للقادة السياسيين وهذا بلا شك يضعنا في دائرة الاستهداف في كل مرة نكمل تقريرا صحفيا، فنحن مهددين من الجميع”.محمد الربيعي

 ” بالرغم من أن داعش لا تعترف بحرية الصحافة، فقد أصرت مجموعة من الإعلاميين على الصمود وتغطية الأحداث والمخاطرة بحياتهم وأمن عائلاتهم من أجل هذه المهنة”. يقول الربيعي.

  وأيضا في خارج المناطق التي يسيطر عليها تنظيمي داعش والقاعدة يضطر حراس الكلمة والمعلومة للنوم وأعينهم مفتوحة. ففي شهر كانون الأول من عام 2013 قتل مسلحون في إقليم كردستان رئيس تحرير مجلة ريال المحلية كاوا محمد أحمد ” كرمياني ” بعد نشره على مواقع التواصل الاجتماعي أن بحوزته وثائق تفضح جرائم فساد في الإقليم. مما دفع بالصحفي الشاب جعفر التلعفري  للاختفاء في الجبال والرحيل عن أهله وبيته بعد أن تم اكتشاف أنه بصدد كتابة تحقيق حول فساد أحد المسؤولين في الإقليم. وبعد  هذه الأحداث رفضت الوسيلة الإعلامية التي يعمل بها الأخير نشر التقرير وهنا تقدمت شبكة نيريج وساهمت في نشر التقرير.

 جوائز متعددة

وبالرغم من المخاطر التي تحف بهم فلا يبدوا أن الصحفيين يتبجحون بتقاريرهم أمام زملائهم وزميلاتهم فأغلب التقارير يتم نشرها تحت أسماء مستعارة ، حيث أن أحد زملائهم قد فاز بأربعة جوائز بأربعة اسماء مستعارة مختلفة.

شبكة الصحافة الاستقصائية العراقية

هي أول شبكة للصحافة الاستقصائية في العراق، تأسست بجهود نخبة من الصحفيين الاستقصائيين المحترفين في 9 أيار/مايو عام 2011. وعملت منذ تأسيسها على توفير الدعم التحريري والمالي والاستشاري للصحفيين الاستقصائيين العراقيين، لانجاز تحقيقات معمقة تستند الى البحث عن الحقائق الموثقة والمدعومة بالمصادر المتعددة وثيقة الصلة بالموضوع قيد الكشف. موقع الشبكة

 ويؤكد الربيعي على هذا المبدأ بالقول أنه لا يجيب عندما يسأله أي شخص عن تقرير معين ويضيف:” عندما يرن الهاتف ويتم سؤالي عن مصدر أي تقرير فأرفض الإجابة”.

بينما يحاول زميله سمان نوح أن يخفي ابتسامه خفيفة قائلاً”: نحن لا نبحث عن شهادات تقدير، بل نريد فقط أن نقوم بمهمتنا الصحفية”.

ولكن القائمين على شبكة نيريج استطاعوا حصد العديد من الجوائز خلال السنوات الماضية. فبعد مشاركة محمد الربيعي وسمان نوح في المؤتمر السنوي لشبكة اعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية أريج في الأردن برفقة زميلتهم ميادة داود في عام 2010 استطاعوا الفوز بأول جائزة عن تقرير حول تجنيد الأطفال من قبل تنظيم القاعدة، وبعد ذلك قاموا بتأسيس شبكة نيريج في عام 2011 وهدفها توفير الدعم التحريري والمالي والاستشاري للصحفيين الاستقصائيين العراقيين الراغبين في كتابة تقارير استقصائية تتبع المعايير الدولية في هذا المجال.

 وكذلك فازت داود بالجائزة الكبرى عن أفضل تحقيق استقصائي في العالم العربي لعام 2012 عن تحقيقها حول مجزرة منطقة الاسحاقي ، وفاز زميلها عضو شبكة نيريج العراقي الكردي موفق محمد بجائزة ثاني افضل تحقيق استقصائي في العالم العربي لعام 2012 ، وبذلك تكون شبكة نيريج العراقية قد حازت الجوائز الرئيسية على العالم العربي لثلاثة اعوام متتالية، فقد سبق أن حصل عضو نيريج دلوفان برواري على جائزة افضل تحقيق استقصائي في العالم العربي عام 2010 عن تحقيقه حول ختان الاناث في كردستان، كما حصلت الصحفية داود، وزميلاها موفق محمد وسامان نوح، على الجائزتين الاولى والثانية كأفضل تحقيقين في العالم العربي لعام 2011 واللذين انجزا تحت اشراف محمد الربيعي وبدعم من شبكة الصحافة الاستقصائية العراقية (نيريج)”.

الفساد والجريمة و”أطفال القاعدة”                              

وقامت شبكة نيريج خلال الأعوام الماضية عبر تقاريرها بتسليط الضوء على العواقب الكارثية للأدوية الفاسدة المهربة من أفغانستان إلى العراق والفساد المالي الذي يتجلى في رواتب ومكافآت أعضاء البرلمان العراقي حيث وصلت إلى نصف مليار دولار والخطر المتفاقم الذي يمثله أطفال القاعدة الذين لا يحملوا أوراق ثبوتية شخصية.

لقد هاجرت من العراق إلى تركيا في عام 1991 على أثر حرب الخليج الثانية، ولم أتمكن أنا وآلاف العراقيين من توثيق هذه الحقبة التاريخية الهامة في حياتنا. مهمتنا تفرض علينا أن نقوم بتوثيق ما يحدث الآن من انتهاكات وتجاوزات خصوصا في ما يتعلق بحقوق الأقليات، وإن لم نفعل ذلك فسنكون خذلنا رسالتنا الإعلامية”. سامان نوح

أغلب هذه التقارير تقوم جريدة الحياة اللندنية بنشرها وهذا لسبب بسيط يشرحه الربيعي بالقول:” من المستحيل نشر هذه التقارير في الصحف المحلية، لأن الصحف لا تسطيع أن تتحدى السياسيين والأجهزة الأمنية في البلاد”. ويردف قائلاً:” تتبع أغلب وسائل الإعلام المحلية بطريقة أو أخرى لحزب سياسي أو ممولة من رجال أعمال يتعاطفوا مع بعض الأحزاب والتقارير الاستقصائية لا تعجب الممولين”.

ويعمل الصحافيين في هذه الأشهر على بعض التقارير الاستقصائية التي تعالج أحداث حزيران 2014 حيث وقعت أجزاء كبيرة من العراق في تحت قبضة تنظيم داعش، فكيف تمكن هذا التنظيم من ذلك وفي وقت قصير جداً؟ ومن يشتري منهم النفط؟ يتسأل الصحفي سامان نوح ويضيف:” أنا أتابع أجهزة الإعلام الدولية كل يوم ولكني لا أجد الجواب على هذه الأسئلة وهذا ما نسعى لكشف تفاصيله “.

 وفي إجابة على سؤال حول التكلفة الكبيرة لإعداد تقارير استقصائية في بلد يشهد مطاردة وقتل للصحافيين بشكل كبير يقول الربيعي:” نحن نصر على مواصلة المشوار لأن تقاريرنا ساهمت في تغيير العديد من القوانين فعلى سبيل المثال تم تعديل قانون الختان والعديد من الصيدليات أغلقت أبوابها بعد تقرير الأدوية. ومما يدفعنا للاستمرار هو إيماننا أننا نساهم في صناعة مستقبل أفضل، ولن نسمح للقتلة بأن يحققوا نصرا على حرية الصحافة”.

ولا يقتصر هذا الإصرار على التمسك بحرية الصحافة فبالنسبة للصحفي سامان نوح  يتعلق الأمر بتحقيق العدالة وكتابة التاريخ:” لقد هاجرت من العراق إلى تركيا في عام 1991 على أثر حرب الخليج الثانية، ولم أتمكن أنا وآلاف العراقيين من توثيق هذه الحقبة التاريخية الهامة في حياتنا. مهمتنا تفرض علينا أن نقوم بتوثيق ما يحدث الآن من انتهاكات وتجاوزات خصوصا في ما يتعلق بحقوق الأقليات، وإن لم نفعل ذلك فسنكون خذلنا رسالتنا الإعلامية”.

عن مؤسسة دعم الإعلام الدولية
مؤسسة إنترناشونال ميديا سبورت (IMS) هي مؤسسة غير ربحية مقره الرئيسي في الدنمارك تعمل على دعم وسائل الإعلام المحلية في البلدان المتضررة من النزاعات المسلحة وانعدام الأمن والتحول السياسي. تعمل المنظمة في أربع قارات على دعم الصحافة التي تتصف بالمهنية وتسهل لوسائل الإعلام العمل في الظروف الصعبة، ويدعم برنامج الشراكة الدنماركية العربية مشاريعها في المنطقة العربية. 

 بلد التنوع العرقي والديني

ويحرص الصحفيان على إبراز اعتزازهم بالتنوع الثقافي والديني للعراق بالرغم من كل الأحداث التي تشهدها بلاد الرافدين ويشير سامان إلى ذلك برسم خريطة لمنطقة سنجار في شمال العراق ويروي كيف كانت تجمع بين العائلات السنية والشيعية والمسيحية والأرمنية  قبل  حملات التهجير ويشير عليها بقلمه قائلاً:” هنا مكتبي، يجب أن لا نرضى بالأمر الواقع، فالأقليات يجب أن تصان حقوقها وتنعم بالأمن في قراها ومدنها”. ويشدد على تقوية أصر التعاون بين جميع الإعلاميين من جميع فئات المجتمع.

 وإضافة لتدريب الصحفيين ومساعدتهم في إنجاز التحقيقات الاستقصائية تقوم شبكة نيريج بإصدار مجلة متخصصة يتم نشرها على شبكة الانترنت وتوزع على بعض الجامعات العراقية، وعن الهدف من المجلة يقول الربيعي:” طلاب الجامعات والأساتذة يطلعون على التقارير التي تم إعدادها فيتعرفون على الطريقة التي نعمل بها “.

كما يوضح الربيعي أن شبكة نيريج تعمل بالتعاون مع منظمة دعم الدولي الدنماركية لوضع منهج تعليمي في مساق الصحافة الاستقصائية تستفيد منه كليات الإعلام.

” نحن نثمن دور مؤسسة دعم الإعلام الدولي والشراكة بيننا ونتطلع لتوسيع هذا التعاون”. ويشير إلى أهمية توفير دورات في السلامة للصحفيين في مناطق الصراع.

محتوى رقميجزء من