مدينة بنقردان التونسية … تحديات كثيرة وأحلام كبيرة

الشابة عفيفة الجريدي بدأت مشروعها من الصفر وتسعى اليوم لتطويره وتوسيعيه تصوير: نضال أبو عريف

على جانبي الطريق المؤدي إلى وسط مدينة بنقردان تمتد سوق مالية تتحكم في اسعار الدولار الأمريكي واليورو والدينار التونسي والليبي. ففي أكشاك صغيرة تحمل أرقام متسلسلة يجلس رجال من جميع الفئات العمرية على استعداد لتقديم الخدمات لزبائنهم في الطريق الذي يطلق عليه سكان المدينة “وال ستريت”.

مدينة بنقردان التي تقع في الجنوب الشرقي للجمهورية التونسية ويعمل العديد من سكانها في التجارة بين ليبيا وتونس الذين يبلغ عددهم حوالي 700 ألف نسمة وتفصلهم 500 كيلو متر عن العاصمة تونس و32 كم عن معبر رأس جدير على الحدود الليبية، الذي يعبره 5000 مسافر بشكل يومي في كلا الاتجاهين.

المدينة التي شهدت عدة احتجاجات في شهر شباط/فبراير الماضي شاركت فيها فعاليات اجتماعية وشبابية متعددة مازالت تعاني من التهميش والبطالة في صفوف الشباب، خصوصا حاملي الشهادات العليا.

 الكاتب العام لبلدية المدينة مصطفى التمام يشير إلى أن أكبر التحديات التي تواجه البلدية هو عدم تناسب حجم توقعات المواطنين مع قدرات البلدية وطاقتها ويضيف:” السكان أصبحوا أكثر جرأة بعد الثورة خصوصا في المطالبة بحقوقهم وزادت درجة إصرارهم على تحقيقها وهذا ما يضعنا كسلطات محلية في مأزق لأننا لم نتحصل على أي موارد إضافية لتحقيق هذه المطالب وكل يوم يزداد العبء على اكتافنا”.

خلال السنوات الماضية عملت على مدار أيام الأسبوع بدون أي إجازة في سبيل تحقيق هدف، أنا لا أرغب في وظيفة في القطاع العام بالرغم من أنها تمنحني دخل ثابت وتقاعد آمن. أنا مستعدة لخوض المخاطر وتحملها من أجل توسيع مشروعي.” الشابة عفيفة الجريدي

التمام الذي يعمل في البلدية منذ 32 عاما يطالب بوضع استراتيجية اقتصادية وتنموية تستطيع اخراج المدينة من الاعتماد على المعبر الحدودي كمصدر أساسي للدخل ويقول:” التجارة مع ليبيا ترتبط بالوضع الأمني الهش هناك، ولا تصلح لأن تكون مصدر دخل ثابت للشباب في المدينة أنا أعتبره وهم وسراب، فالشباب هنا بحاجة لمصدر دخل آمن توفره لهم شركات وطنية”.

بعض الشباب في المدينة اختاروا أن يشقوا طريقهم بأنفسهم عبر تكوين شركات صغيرة تدر عليهم مصادر دخل وتساهم في تحقيق أحلامهم في الاستقلالية والمساهمة في التنمية المحلية. الشابة عفيفة الجريدي تعتبر من أنجح أصحاب المشاريع الصغيرة في المدينة. فالمبادرة الشابة ذات الـ 27 ربيعاً لم تستسلم لبراثيين البطالة وقررت في عام 2012 أن تدشن مشروعا صغيراً يوفر لها نقطة انطلاق لتحقيق ذاتها وتطوير أفكارها.

في وسط مدينة بن قردان دشنت عفيفة مركز للإنترنت والمعلومات يقدم خدمات متعددة لزبائنه وتستخدمه عفيفة لتدريب بعض الفتيان والفتيات في مجال استخدام الحاسوب وتقنية البحث عن المعلومات. وفي عام 2014 تحصلت عفيفة على دعم من برنامج الشراكة الدنماركية العربية عبر مركز التنمية المحلية والحكم الرشيد فاستخدمته في مضاعفة أعداد أجهز الحاسوب في مركزها وتقوية قدرات الانترنت في المركز، مما فتح أمامها المجال لتوسعة مصدر دخلها.

وعن تجرتها كمبادرة شابة تقول عفيفة:” لقد بدأت من الصفر، وبدون أي قرش في جيبي. وحصلت على مساعدة من أهلي في البداية دفعتني لمواصلة طريقي. كنت خائفة أن أفقد كل شيء في بداية المشروع ولكني وثقت بقدراتي وواصلت المشوار”.

عفيفة التي انهت دراستها في مجال المعلوماتية والكمبيوتر من معهد تقني في نفس المدينة في عام 2010 تشرح فكرتها بالقول:” بعد ان انهيت دراستي وعملت بشكل نتقطع في بعض مراكز الكمبيوتر، فكرت أن افتتح مشروعي خاص بي يجمع بين خدمات الانترنت والكمبيوتر وكذلك توفير التدريب في هذا المجال للفتيان والفتيات مما يتيح أمام أبناء الجيل القادم بجنسيه فرصة الالتحاق بركب التقنية”.

 أكبر التحديات التي واجهتني في بداية المشروع كانت في توفير السيولة اللازمة في الأشهر الأولى وكذلك تعريف سكان المدينة بالمركز وهنا لعبت شبكة علاقاتها دور إيجابي في جلب الزبائن وكذلك أيقنت عفيفة أن النجاح يتطلب المثابرة والعمل الدؤوب وقوة التحمل وتقول:” خلال السنوات الماضية عملت على مدار أيام الأسبوع بدون أي إجازة في سبيل تحقيق هدفي، أنا لا أرغب في وظيفة في القطاع العام بالرغم من أنها تمنحني دخل ثابت وتقاعد آمن. أنا مستعدة لخوض المخاطر وتحملها من أجل توسيع مشروعي”

برنامج الشراكة الدنماركية العربية

يدعم البرنامج عدة مشاريع اقتصادية في تونس بعضها يهدف لدعم باعثي المشاريع من الشباب في المحافظات الداخلية في تونس وتنفذ هذه المشاريع عدة مؤسسات تونسية ودولية. المشاريع في مدينة بن قردان ينفذها المركز الدولي للتنمية المحلية والحكم الرشيد الي يعمل على تعزيز قدرات السلطات المحلية ودعم التنمية الاقتصادية. ويساعد المركز الباعثين الشباب في الحصول على التراخيص اللازمة وكذلك يوفر دورات تدريبية لهم في مجال المحاسبة وريادة الأعمال والتسويق. 

وتشير عفيفة إلى واقع الفتيات والشباب في مدينتها حيث يعاني قسم كبير منهم من البطالة وانعدام الفرص في العم والتنمية وتضيف:” تعيش النساء تحت ظروف صعبة في منطقتنا حيث لا توجد فرص عمل لهن والكثير منهن لا يستطعن استخدام شهاداتهم الجامعية في سوق العمل. حياة النساء هنا مليئة بالصعوبات وفرصهن في التنمية ضئيلة”.

عفيفة الأصغر سناً في عائلة يبلغ تعدادها عشرة أشخاص، تشير إلى ان جميع أخواتها متزوجات ولا يعملن وأثنين من أخوتها يعملون في التجارة مع ليبيا وتضيف:” أنا أساهم في مصروف بيتنا، فجميع أخوتي وأخواتي يهتمون بعائلاتهم الصغيرة “.

عفيفة تملك أمل في أن يتحسن وضع الشباب في مدينتها وتقول:” أنا على ثقة بأن مستقبلنا سيكون أفضل وأتمنى أن يكون مشروعي سبب في تحسن أوضاع المدينة، فأنا ألقى دعم من جميع زميلاتي في الدراسة ويبون لي رغبتهم في السير على خطواتي وتدشين مشاريع خاصة بهن”.  “أنا مؤمنة بأن مستقبل تونس سيكون أفضل بسواعد شبابها”، تقول عفيفة بابتسامة خفيفة.

حسب التقارير الدولية فإن البطالة تهدد الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث يبلغ عدد الشباب العاطلين عن العمل مجموع سكان 12 مدينة أوروبية.

original_original_VI-YU-11-19-2014 (1)المصدر: http://visualizingimpact.org

محتوى رقمي