أجبان تونسية بنكهة دنماركية

بين كروم الزيتون في الريف التونسي بدأ حلم انتاج أجبان بمواصفات عالمية يتبلور، حيث قطعت فلاحة تونسية الخطوات الأولى من أجل توفير أصناف جديدة من الأجبان بفضل تعاون دنماركي تونسي وفر لها الدعم المهني والمادي فأضحت اليوم تنتج أجبان تونسية بنكهة دنماركية.

تبدو السيدة رفيقة الوسلاتي فخورة وسعيدة وهي تشير إلى صورة على حاسوبها الشخصي يظهر فيها رجلان يُنزلان محتوى إحدى الحاويات المملوكة لشركة “ميرسك” الدنماركية، بينما يحاول شاب تونسي تلقي الآلات برافعة.

هذه الصورة التي التقطت في شهر أيار/ مايو الماضي، بعد وصول معدات إنتاج الألبان الخاصة بشركتها لبلدة توكابر، التي تقع على بعد 75 كم غرب العاصمة التونسية تونس، تسجل لحظة حصاد ثمار رحلة طويلة من الجد والعمل والتدريب استمرت على مدار أكثر من أربعة أعوام. وبعد وصول المعدات بثلاثة أشهر دشنت الوسلاتي  مصنع “رويال توكا” للأجبان لتفتح الباب أمام أبناء بلدها لتذوق شرائح جبن بنكهة وجودة دنماركية وتبدأ أول خطواتها في ريادة الأعمال.

وعن بداية رحلتها مع هذا المشروع تقول الوسلاتي وهي أم لثلاثة أطفال: “لقد جائتني فكرة تحول الحليب إلى جبن منذ عدة سنوات ولكنها أصبحت قابلة للتطبيق في عام 2013 حين لفتت إحدى المرشدات انتباهي إلى التعاون التونسي الدنماركي في مجال تحسين قطاع الألبان في ولاية باجة، واقترحت علي آنذاك أن أقوم بالاتصال بالأشخاص الذين يقفون وراء هذا المشروع للتأكد من إمكانية حصولي على الدعم والتدريب، وقد اقتنصت بالفعل هذه الفرصة”.

“في عام 2013 ، وبعد التحدث مع مرشدة في مركز سيدي ثابت للتأهيل الفلاحي، سارعت إلى الاتصال بالمكتب الزراعي الإقليمي في ولاية باجة. حيث تم اختيار مشروعي للحصول على الدعم، وبدأت رحلتي نحو تحقيق حلمي”.

رفيقة الوسلاتي

ويعتبر التحدي الأكبر لدى النساء في تونس عدم توفر فرص للعمل، وطول فترة الانتظار في ما بعد التخرج من الدراسة للانخراط في سوق العمل، فتقريبا من بين كل أربع نساء هناك إمرأة  خارج سوق العمل، في حين يتاح لواحد من بين كل ثمانية رجال قضاء فترة قبل الظهيرة على أحد مقاهي الأرصفة التي تشتهر بها تونس. حيث تصل البطالة في تونس تصل إلى ما نسبته 15,6 في المائة، ويُشكل التونسيون المتعلمون والحاصلون على دراسات عليا ثُلث هذه النسبة، كانت الوسلاتي واحدة منهن حيث انها حاصلة على ماجستير في القانون وقضت قرابة خمسة أعوام كربة منزل قبل أن تلتحق بمركز التكوين المهني الفلاحي في قطاع تربية البقر في مدينة سيدي ثابت بهدف تطوير مهاراتها وفتح باب رزق لها.

بدء الرحلة نحو تحقيق الحلم.. من القانون إلى الفلاحة

لم تكن رحلة الانتقال إلى القطاع الفلاحي مفروشة بالورود، حيث واجهت تحديا كبيرا في بيع الحليب التي تتدره أبقارها في السوق المحلي بسبب كثرة المعروض، وهذا ما دفعها إلى التفكير في الاستفادة من فائض الحليب في انتاج الأجبان.

وعن بداية طريقها تقول الوسلاتي: “طموحي كان أقل مما أنجزته حتى الآن. وهذا يرجع إلى محادثة مفيدة جدا مع مدرب دنماركي أخبرني أنه من الأفضل لي أن أفكر فيما سيحدث مستقبلا بعد 10 سنوات، وضرورة أن أفكر في وضع أسس لمشروع يمكن أن يتطور في المستقبل”. وتضيف: “في البداية ، كانت خطتي فقط بناء مصنع للألبان مساحته 35 متر مربع فقط. لكنني تمكنت من بناء مصنع تبلغ مساحته حوالي 300 مترا مربعا، حيث منحني زوجي الأرض، وساعد كذلك في تمويل بعض أعمال البناء”.

“قامت عائلتي بتقديم الدعم المالي والمعنوي؛ وفي الفترات التي كنت أوشك فيها على الوصول لحالة من التراجع والإستسلام، أجد الدعم من زوجي وأولادي. فعندما كنت أتدرب وكان علي يومياً قطع مسافة تتجاوز 100 كيلومتر ذهابا وإيابا، كان زوجي يقوم بتوصيلي لمركز التدريب، بينما كان يرعى أطفالي بقية أفراد عائلتي”.

رفيقة الوسلاتي

وتسترجع الوسلاتي  معلوماتها وهي مفتخرة وجالسة على كرسي بلاستيكي أمام آلة كبيرة لتحميض الحليب؛ : “في عام 2013 ، وبعد التحدث مع مرشدة في مركز سيدي ثابت للتأهيل الفلاحي، سارعت إلى الاتصال بالمكتب الزراعي الإقليمي في ولاية باجة. حيث تم اختيار مشروعي للحصول على الدعم، وبدأت رحلتي نحو تحقيق حلمي”.

وأشارت إلى أنها إلتحقت بعدة دورات تدريبية في مجال صناعة الألبان على مدار السنوات الماضية، موضحة كيف لعب الدعم المعنوي من العائلة دوراً حاسماً في استكمال رحلتها نحو الاكتفاء الذاتي في معيشتها.

وقالت: “قامت عائلتي بتقديم الدعم المالي والمعنوي؛ وفي الفترات التي كنت أوشك فيها على الوصول لحالة من التراجع والإستسلام، أجد الدعم من زوجي وأولادي. فعندما كنت أتدرب وكان علي يومياً قطع مسافة تتجاوز 100 كيلومتر ذهابا وإيابا، كان زوجي يقوم بتوصيلي لمركز التدريب، بينما كان يرعى أطفالي بقية أفراد عائلتي”.

وأضافت: “إذا عدت بذاكرتي إلى البداية أفكر في الكيفية التي كنت عليها، لم أكن لأتصور أني أستطيع أن أقطع مثل هذا الشوط؛ ولكن لأنني كنت أمتلك الإرادة وسعيت لتحقيق هدفي، فقد تمكنت من الوصول حيث أنا اليوم”.

نصائح دنماركية 

وحول أهمية التعاون الدنماركي التونسي في هذا المشروع تقول الوسلاتي:” من بين أسباب نجاحي النصائح التي كنت أحصل عليها من الشركاء الدنماركيين الذين قاموا بتأطيرنا وتدريبنا على كيفية صناعة الجبن والمعايير المهنية والصحية التي يجب إتباعها”.

وعن شعورها عندما تم إنتاج أول عينة من الأجبان تقول الوسلاتي والابتسامة ترتسم على محياها : “عندما وصلت الآلات في شهر ايار/ مايو الماضي، زارنا الفنيون من الدنمارك، وساعدونا في تركيبها. لقد مكثوا هنا لمدة 35 يومًا حيث قاموا بتدريبنا على استخدام الآلات. وقد قمنا بفضل التعاون معهم بإنتاج أولى عينات الأجبان. واليوم نتبع نفس الوصفة التي طورناها معًا”. وتضيف : “لقد كانت فترة تجربة مثمرة وعظيمة بالنسبة لي ولزملائي هنا، وأيضا لضيوفنا الدنماركيين”.

ويهدف المشروع الدنماركي التونسي إلى تحسين جودة الحليب في تونس، وإيجاد فرص العمل، وإلهام الفلاحين المحليين لإقامة مصانع ألبان تعاونية؛ إذ أن المشروع هو عبارة عن تعاون  بين ديوان تربية الماشية وتوفير المراعي التونسي ومركز المعرفة للزراعات بالدنمارك.، بدعم من برنامج الشراكة الدنماركية العربية DAPP.

خطة طويلة المدى.. مصنع نموذجي للأجبان

وتوضح الوسلاتي أن مصنعها سيتم استخدامه  كمصنع تعليمي  نموذجي للتدريب على إنتاج الألبان، حيث سيتمكن المزارعون وغيرهم من الشباب الباحثين عن عمل الحصول على تدريب على طريقة إنتاج الأجبان والالتحاق بالدورات التي سيوفرها المصنع بالتعاون مع المشروع التونسي الدنماركي.

وقالت: “لقد مررت حتى الآن بمراحل مختلفة، لكن لا يزال أمامي طريق طويل نحو هدفي. إنني آمل أن ينمو مشروعي، وأن يتوسع بيع الجبن بحيث ينتشر في السوق المحلية والدولية، وأتمنى أن يقدّر الناس في داخل تونس وخارجها طعم الجبن الذي ننتجه”.

وأعربت خريجة كلية الحقوق التي بدأت تشق طريقا في عالم الأعمال عن بالغ فخرها بامتلاكها مصنع عصري للألبان، وفي الوقت ذاته لا تتردد في إعطاء بعض النصائح إلى التونسيين الذين يرغبون في السير على خطاها.

“أود أن أوضح أن المرأة التونسية يمكنها المشاركة في صناعات مختلفة، وفي تحقيق أحلامها،  وأرغب كذلك في إرسال إشارة إلى الشباب التونسي مفادها أن بإمكانهم صنع سعادتهم بأيديهم وعرق جبينهم”.

رفيقة الوسلاتي

وتقول: “من المهم أن يضع الشخص هدفه نصب عينيه، وأن يكون صبوراً. وبالعودة إلى الوراء أفكر كيف كان الأمر، ما كنت أتوقع بأنني أستطيع الوصول إلى هذا الحد. ولكن لأنني كنت أمتلك الإرادة، وسعيت لتحقيق هدفي، فقد تمكنت من أن أكون حيث أنا اليوم، فم المهم أن  لا يفقد الشباب الأمل، وأن يكونوا مستعدين للتضحية من أجل تحقيق النجاح”.

واعتبرت رائدة الأعمال ذات النشأة الريفية أن الأمر بالنسبة لها لا يتعلق فقط بكسب المال. ولكنها ترغب أيضًا في أن تصبح نموذجًا يحتذى به وأضافت:” أود أن أوضح أن المرأة التونسية يمكنها المشاركة في صناعات مختلفة، وفي تحقيق أحلامها،  وأرغب كذلك في إرسال إشارة إلى الشباب التونسي مفادها أن بإمكانهم صنع سعادتهم بأيديهم وعرق جبينهم”.

مصاعب وتحديات

وحول التحديات التي واجهتها في مسيرتها تقول الوسلاتي: “كان لدي تحديات كبيرة من حيث التصاريح الإدارية لبدء المشروع. فالشخص الذي لا يمتلك الصبر سينتهي به المطاف بالاستسلام في منتصف الطريق”. وتضيف: ” أكبر تحدي نواجهه هنا في تونس هو أن ثقة الدولة والمؤسسات في المواطن محدودة، حيث من الصعب الحصول على الضمانات والقروض المصرفية للبدء في تأسيس المشاريع”.

وكمثال على العملية البيروقراطية غير المتوقعة، تشير الوسلاتي إلى محاولاتها المتكررة للحصول على قرض لشراء عربة ستستخدمها لتوزيع الجبن بالقول: “لقد ترددت مراراً ذهابًا وإيابًا إلى العاصمة تونس لهذا الأمر، في الواقع أكثر من 30 مرة، من أجل التحدث مع مسؤولي البنك الزراعي، لكني حتى الآن لم أتلق إجابة على طلبي”.

متجر صغير.. ورحلة طويلة

بالإضافة إلى مصنع الأجبان الذي بنته بجوار منزلها، افتتحت الوسلاتي مؤخراً متجرًا صغيرًا في مدينة  مجاز الباب. حيث اختارت متجرًا يقع على طريق رئيسي يربط العديد من المدن بالعاصمة تونس،  حيث تبيع فيه  ثلاثة أنواع من الجبن: جودة ، وإدمار، وجبن أبيض محلي.

وتشير المسلاتي إلى أن الإقبال على شراء هذه الأنواع من الجبن يسير بشكل جيد، حيث بدأ صيتها ينتشر بين سكان المدينة والمدن المجاورة وساهم موقع المتجر في جذب زبائن من المسافرين على الطريق السريعة التي تربط العاصمة تونس بمدن الغرب والجنوب التونسي.

لا يحصل الزبائن على الجبن فقط عندما يزوروا متجرها التي وضعت أمامه لوحة كبيرة مكتوب عليها ” جبن تونسي بجودة دنماركية” بل تروي لهم الوسلاتي تفاصيل رحلتها من دراسة القانون إلى ريادة الأعمال والتعاون مع الشركاء الدنماركيين في رفع مستوى وجودة منتجات الألبان التونسية.

القالب التونسي.. وزيادة الانتاج 

اليوم وبعد مرور عدة شهور على افتتاح مشروعها تسعى الوسلاتي لتطوير طريقة عرض الأجبان وأحجامها وتضيف: القوالب التي جلبها زملائي  الدنماركيين كانت كبيرة، ولا تناسب القوة الشرائية هنا. إن القالب الحالي يزن حوالي كيلوجرامين، وسيكون من الصعب على التونسيين العاديين من منطقتنا شراؤها،  لذلك سأحاول إضافة شكل جديد إلى إنتاجي. سوف يكون القالب الجديد له شكل كروي، يزن أقل من كيلوغرام واحد. حيث إن هذا سيكون الشكل الذي يفضله التونسيون وسيتناسب مع طريقة استهلاكهم للأجبان وقوتهم الشرائية”.

هذا وقد تمكنت الوسلاتي خلال  الأشهر الأولى من المشروع من توفير خمسة وظائف في مصنع الألبان والمتجر. بالإضافة إلى ذلك ، فهي تشتري الحليب من المزارعين المحليين، مما يحسن من مدخولهم.

وتأمل الوسلاتي في زيادة الإنتاج ليصل حجمه إلى 3000 لتر من الحليب يومياً، مما يتطلب توظيف خمسة أشخاص جدد وزيادة ساعات العمل في المصنع.