العنف ضد النساء في تونس…ظاهرة موجودة وحلولها ممكنة

ناقشت مجموعة من الشخصيات التونسية والدولية المدافعة عن حقوق الإنسان عموما وعن حقوق المرأة والفتيات خصوصا في ندوة دراسية بداية هذا الأسبوع ظاهرة العنف ضد المرأة في تونس وكيفية التصدي لها وتباينت آراء المشاركين والمشاركات حول مدى انتشار هذه الظاهرة وتأثيرها في المجتمع، والسبل الأمثل للتعامل معها.

أوضح تقرير أصدرته الشبكة الأوروبية المتوسطية لحقوق الإنسان(EMHRN) في العاصمة التونسية في بداية هذا الأسبوع إلى تزايد نسب العنف الأسري ضد النساء في تونس بما في ذلك العنف الجنسي  وبينت الأرقام أن 46 امرأة من أصل 7861 امرأة تعرضت للاعتداء خلال الأشهر العشرة الأولى من سنة 2013 مقابل 24 امرأة من أصل 7372 امرأة تعرضت للاعتداء خلال نفس الفترة من سنة 2012 .

وتم عرض التقرير في سياق ندوة دراسية تحت عنوان‘’ حقوق النساء خلال المرحلة الانتخابية و الدور الذي يمكن أن يلعبه القانون الشامل في مناهضة العنف ضد النساء والفتيات‘’ نظمها مكتب الشبكة الأوروبية المتوسطية لحقوق الإنسان في تونس بالتعاون مع منظمة دانر الدنماركية(DANNER)  وعدد من الجمعيات التونسية، بدعم من برنامج الشراكة الدنماركية العربية، استمرت على مدار يوم كامل تم خلالها مناقشة التقرير ثم تلته ورشات مختلفة المواضيع و ذات صلة بالعنف الانتخابي ودور القانون في حماية المرأة.

سيعمل إطارنا المكلف بالمراقبة والذي يضم أكثر من ألف مراقب وشرطي على تكثيف عملية المراقبة والتصدي لكل مظاهر العنف التي قد تجد في أي مكتب للانتخابات، فكل من تخول له نفسه تعطيل الحركة الانتخابية و المساس من حقوق النساء سيتعرض إلى أحكام ردعية”، شفيق صرصار رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات

وأشارت منسقة مشاريع منظمة دانر في تونس مريم بالأمين إلى أهمية هذه الندوة وأضافت:” هذه الندوة نظمت قبل أسابيع من الانتخابات التشريعية التي ستشهدها البلاد وتأتي لتسليط الضوء على أشكال العنف ضد النساء وخاصة العنف السياسي وآليات التصدي له خلال الانتخابات القادمة، وكذلك تعتبر فرصة لجمع منظمات المجتمع المدني و السلطات العمومية ومرشحات في الانتخابات بهدف الخروج بمقترحات للتعامل مع هذه الظاهرة”. وبينت بن الأمين أن منظمة دانر تعمل من أجل تفعيل الاستراتيجية الوطنية لمكافحة العنف ضد المرأة ولعل أهمها هو جمع البيانات والإحصائيات الدقيقة في هذا المجال وتوحيدها في قاعدة بيانات شاملة تساهم فيها جميع الأطراف المختصة.

الإقصاء السياسي هو عنف

وعن مظاهر تفشي هذي الظاهرة وتداعياتها تقول السيدة نائلة شعبان كاتبة الدولة للمرأة والأسرة في تونس أن الإحصائيات تشير إلى أن 47.6 % من النساء في تونس تعرضوا للعنف. وتنتشر هذه الظاهرة في اغلب المناطق التونسية الداخلية منها والساحلية على حد سواء. وتنص كل الطبقات الاجتماعية إذ لم تعد تقتصر على الطبقات الجاهلة التي طالما اعتبرت المرأة عورة. وأكدت كاتبة الدولة للمرأة والأسرة أن تونس سعت الى حماية حقوق النساء والفتيات لأنها أخذت على عاتقها مسؤولية القضاء على العنف ضد المرأة وتتجلى هذه الحماية في سن عدة قوانين ضمن الدستور الجديد تدافع فيها عن حقوق المرأة و تضمن مساهمتها الجادة في الحياة السياسية.

 ومن جهتها أكدت السيدة قمرة النايلي رئيسة جمعية المحافظة على الأسرة بجبنيانة التابعة لولاية صفاقس أن ظاهرة العنف المسلط ضد المرأة لا يتجسد فقط في ضرب المرأة أو أهانتها بل يتجسد أيضا في مظاهر أخرى على غرار تغييبها عن الساحة السياسية. وأضافت قائلة عن تجربتها الشخصية: ” ننشط في جمعية مدنية تعمل على دعم دور المرأة في الفضاء العام ومراكز القرار وقد سعت هذه الجمعية إلى دفع بعض النساء في المنطقة إلى ترأس مكاتب الاقتراع لكن تم إقصائهن، فبعد تقديم حوالي 40 ملف للهيئة تم رفض العديد منها وأصبحت مشاركة النساء قليلة جدا”. وأوضحت السيدة قمرة النايلي: ”لقد تم إقصاؤنا دون أن نعرف الأسباب  بالرغم من أن كل الظروف متوفرة في النساء الراغبات في ترأس مكاتب الاقتراع من خبرة ومستوى تعليمي”.

و اعتبرت النايلي أن هذا الإقصاء نوع من أنواع ممارسة العنف ضد النساء خلال المرحلة الانتخابية و أكدت في هذا السياق أنها تسعى وأعضاء الجمعية إلى الدفاع عن حقهن في ممارسة دورهن السياسي.

التصدي لأي عنف محتمل

و في هذا الإطار أكد السيد شفيق صرصار رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات وجود هذا النوع من العنف المسلط ضد المرأة في الحيات السياسية. و قال: ” ستشهد الساحة السياسية في الأيام القادمة عديد من مظاهر العنف سوى اللفظي أو المادي، وستكثر بصفة ملحوظة في فترة ما قبل الحملة الانتخابية و أثناءها وأيضا يوم الاقتراع و حتى بعد النتائج”.

وأضاف السيد شفيق صرصار: “بعض الأشخاص قد يلجؤون إلى منع النساء والفتيات من ممارسة حقهن الانتخابي وقد تتطور العملية الى درجة غلق أبواب المكاتب يوم الانتخابات”.  وفي سؤالنا عن دور الهيئة العلية المستقلة للانتخابات بصفتها الإطار القانوني المنظم لهذه العملية أجابنا: ”سيعمل إطارنا المكلف بالمراقبة و البالغ أكثر من ألف مراقب وشرطي على تكثيف عملية المراقبة والتصدي لكل مظاهر العنف التي قد تجد في أي مكتب للانتخابات، فكل من تخول له نفسه تعطيل الحركة الانتخابية و المساس من حقوق النساء سيتعرض إلى أحكام ردعية”. وأكد أن القانون التونسي واضح وصارم ضد هذه الممارسات.

مسقبل المرأة في تونس واعد

و خلافا لذلك، تؤكد السيدة مباركة عوايمية براهمي – أرملة الشهيد محمد البراهمي الذي اغتيل يوم 25 جويلية 2013 أمام منزله – أن المرأة التونسية تتمتع بحقوق كثيرة وفي كل المجالات . وعن تجربتها الشخصية قالت:” أنا أرملة أربي لوحدي خمسة أطفال وأعمل كمعلمة وترشحت كرئيسة قائمة سيدي بوزيد للجبهة الشعبية للانتخابات التشريعية. و أكدت  براهمي أنها وجدت كل الدعم والإحاطة من مناضلي هذا الحزب رغم رفض البعض في الجهة لترأسها هذه القائمة ورغم صعوبة التنقل إلى سيدي بوزيد”.

مكافحة العنف ضد النساء في تونس

 هو مشروع تديره مؤسسة دانر الدنماركية (DANNER) بالتعاون مع اتحاد مراكز مساعدة المرأة  في الدنمارك (LOKK) والعديد من المنظمات التونسية. ويعتبر الهدف الأسمى لهذا المشروع هو تقوية أداء الطرف التونسي الذي يسعى إلى مكافحة العنف ضد النساء، بالإضافة إلى تحسين العروض والخدمات المقدمة للنساء اللاتي وقعن ضحية للعنف. ويدعم برنامج الشراكة الدنماركية العربية هذا المشروع. 

ورغم هذه الصعوبات شددت السيدة مباركة البراهمي أن تجربتها في الحياة السياسية تجربة غنية ويمكن اعتبارها مكسبا هاما لنساء تونس بعد الثورة. وأشارت إلى أن وجود عدد هام من أسماء النساء في القائمات الانتخابية رسالة واضحة ودليل على وعي المرأة التونسية بكامل حقوقها وإسرارها على الدفاع عن مكاسبها.

وأضافت: ” تشهد المرأة التونسية نقلة نوعية في حياتها الاجتماعية والسياسية في هذه المرحلة الانتخابية الحساسة، ومن المهم توحيد جميع الصفوف لفرض إرادتهن، فمستقبل المرأة في تونس واعد”.

واتفقت السيدة لورا بايزا سفيرة بعثة الاتحاد الأوروبي بتونس التي قالت ” أن للمرأة التونسية وعي كافي ليجعلها تحسن اختيار ممثلين في الانتخابات القادمة مهتمون بالمرأة و مدافعون عن حقوقها .

مشروع قانون جديد

 ومن جهتها أوضحت السيدة منية بن جميع أستاذة بكلية العلوم القانونية والسياسية بتونس وعضوة ناشطة في الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات أن مشاركة النساء خلال المرحلة الانتخابية مازالت ناقصة وأن الدور الذي يلعبه القانون في القضاء على ظاهرة العنف مازال محتشما. و فسرت كلامها قائلة: ”رغم وجود عديد القوانين المدافعة عن حقوق المرأة مازالت هذه الأخيرة تعاني العنف بكل أنواعه”.

 تشهد المرأة التونسية نقلة نوعية في حياتها الاجتماعية والسياسية في هذه المرحلة الانتخابية الحساسة، ومن المهم توحيد جميع الصفوف لفرض إرادتهن، فمستقبل المرأة في تونس واعد”. مباركة عوايمية براهمي


واعتبرت أن العنف العائلي من أكثر أنواع العنف الموجود في تونس. فالمرأة والزوجة تعاني يوميا عنفا عائليا كبيراً سوى كان معنوي أو مادي أو اقتصادي أو جنسي من طرف الزوج وفي بعض الحالات من العائلة.

و في سؤالنا عن تأثير هذه الظاهرة  في المرأة و المجتمع قالت: ” المرأة عنصر حساس تتأثر بممارسة العنف ضدها. وتتجلى آثارها في تقصيرها الواضح في دورها التربوي ومصاحبة صغارها. كما يتسبب في هروب عديد النساء والفتيات من منازلهن والعيش في الشارع ”.

وكحل لهذه الظاهرة اقترحت السيدة منية بن جميع ضرورة مناقشة هذا الموضوع في المنابر الإعلامية ومحاولة بعث ثقافة جديدة تنص على تحريم تعنيف المرأة. ومن الناحية القانونية أوضحت أن الدولة تعمل على دراسة الصيغة النهائية لمشروع قانون مناهضة العنف ضد النساء. وهو قانون سيحيط بوضعية المرأة و يضمن لها حقوقها، ومن المتوقع أن يتم  عرض مشروع القانون على مجلس الوزراء في الحكومة التونسية في الخامس والعشرين من شهر تشرين الثاني/نوفمبر القادم.