برنامج “قادة للتفاهم الديني”يؤسس لمجتمعات الحوار وصناعة السلام

الاجتماع السنوي الثاني في مدينة إسطنبول التركية شهد عندة نقاشات حول مفهوم المواطنة ودور الدين في المجتمع (تصوير: عبد الرحمن دندشي)

تمكن برنامج “قادة للتفاهم الديني” من تطوير قدرات نخبة من الشباب العرب والدنماركيين من أجل العمل على تأسيس مجتمعات تتبنى لغة الحوار والتفاهم لصناعة السلام ونبذ العنف والتطرف، في كلاً من الدنمارك ومصر وسوريا ولبنان.

عن البرنامج

انطلق البرنامج في عام 2012 ويشارك فيه كل عام عشرات الشباب من الدنمارك والعالم العربي و يهدف إلى بناء قدرات القادة الشباب في مجال الحوار الثقافي  والديني  وتعزيز قواعد المصالحة والتكامل والمشاركة السياسية من  خلال المبادرات الدينية المشتركة.

موقع البرنامج الإلكتروني  

ويمثل “القادة الجدد” الدفعة الثالثة التي تتلقى تدريباً مهنياً حول دور الحوار بين الأديان في  صناعة السلام والترابط الاجتماعي والتفاهم المتبادل، في البرنامج الذي يجمع سنويًّا حوالي الأربعين من القادة الشباب من مختلف المجالات المهنية: الاعلامية والدينية والسياسية والتعليمية والمجتمع المدني من الدول الأربع، حيث بدأ البرنامج في حزيران 2012 بدعم من برنامج الشراكة الدنماركية العربية.

وعمل البرنامج منذ انطلاقه على بناء قدرات القادة الشباب من الدنمارك والعالم العربي على المستويات الفكرية والمهاراتية وروح المبادرة في ما يتعلّق بإدارة التعددية الدينية، بهدف تطوير دورهم كفاعلين في مجال التجدد والتغيير الاجتماعي لبناء الترابط الاجتماعي والسلام داخل المجتمعات وفي ما بينها. وعمل البرنامج على تحقيق ذلك من خلال منهجية الحوار بين الثقافات والتنشئة المتكاملة في سياق الشراكة والمبادرات المشتركة وضمن شبكة تتميّز بالتنوّع الديني والدولي.

وكانت الحلقة الأهم في البرنامج الانطلاق في تنفيذ مبادرات مجتمعية من قبل المشاركين، حيث نفذت مبادرات مجتمعية مهمة ومؤثرة، في الدول الأربع، سعت للوصول لأوسع شريحة ممكنة من المجتمعات، لنقل تجاربهم ونقل مفاهيم الحوار وتقبل الآخر من أجل ترسيخ السلام ونبذ الصراع. وفي اجتماعه السنوي الثاني في مدينة اسطنبول عرض القادة الشباب نتائج بعض مشاريعهم في مجتمعاتهم المحلية.

مصر.. أساليب وآليات حل النزاعات

علياء وجدي من مصر (34 عام) باحثة في العلوم السياسية بجامعة القاهرة، والمدير التنفيذي لمركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات، عملت برفقة زملائها في البرنامج "أميرة تراضروس" و"هاني الحلواني" على مبادرة ثلاثية، تمثلت في اقامت يوم تدريبي عن اساليب واليات حل النزاعات. (تصوير: عبد الرحمن دندشي)
علياء وجدي من مصر (34 عام) باحثة في العلوم السياسية بجامعة القاهرة، والمدير التنفيذي لمركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات، عملت برفقة زملائها في البرنامج “أميرة تراضروس” و”هاني الحلواني” على مبادرة ثلاثية، تمثلت في اقامت يوم تدريبي عن اساليب واليات حل النزاعات. تصوير: عبد الرحمن دندشي

وبحسب علياء، فإن المبادرة كانت موجهة لطلبة الجامعات المصرية، وشارك فيها 65 طالب وطالبة من جامعات مختلفة وتخصصات علمية متنوعة، انقسم الى 3 اجزاء، مشيرة إلى أن المشاركين تلقوا تعريفات نظرية عن انماط النزاعات وأنواعها وأبعادها ومراحل تطورها وأساليب التعامل معها، بالإضافة إلى الابعاد القانونية للنزاعات، وتقسيم المشاركين لمجموعات تقوم بمحاكاة حالة معينة من النزاع وتم العمل والنقاش واتخاذ مواقف مختلفة حول النزاع المفترض والوصول إلى رؤية لإنهائه.

وقالت علياء: “المبادرة قائمة على ايصال فكرة مهمة للطلبة وهي أنه يوجد آراء متعددة اتجاه أي قضية وان عدم الايمان بتعدد الاراء ووجهات النظر يؤدي إلى النزاع نتيجة التراكمات”، مشيرة إلى أن الورشة عملت على تعزيز فكرة تقبل الآراء الأخرى ومهارات التفاوض والاقناع والدفاع عن الرأي بشكل لا ينتقص من وجهات نظر الآخرين.

ونوهت علياء إلى أن المتدربين عملوا على محاكاة عمل البرلمان من خلال مناقشة إصدار قانون لتنظيم التظاهر و”تعددت الآراء بين قبول القانون والرفض وبالنهاية تمكنوا من إصدار قانون ينظم التظاهر ولا يقيد الحق به ولا يعتدي على الحقوق والحريات الاساسية”. مضيفةً: “عملنا على تعزيز فكرة التعددية والاختلاف بين الطلبة لأن لهم دور كبير في نشر هذه الثقافة وتعزيزها في المجتمع والمحيط العام لهم”.

ولفتت علياء إلى أنها وزملائها سيعملون على البناء على ما تم انجازه واستكمال انشطتهم من خلال تنظيم فعاليات جديدة، للوصول لأوسع شريحة ممكنه من الشباب.

في ذات السياق، أوضحت علياء أن البرنامج أضاف لها الكثير على المستوى النظري من خلال المعلومات بالمحاضرات الحية وأساليب التعليم الالكتروني وفتح لها مجال كبير بتوسيع شبكة علاقات كبيرة جدا من النشطاء في مصر وبلدان عربية أخرى، بالإضافة إلى الدنمارك، معتبرةً أن البرنامج الدنماركي عزز عندها مبادئ التسامح والعمل المشترك وتعزيز الاستقرار الاجتماعي ونشر قيم الديمقراطية وحقوق الانسان.

وقالت: “كان عبارة عن ملتقي ثقافي واسع وثروة كبيرة من خلال تنوع الجنسيات والأديان، اثرى خبراتي الحياتية بشكل كبير”، لافتةً إلى أنها تفكر بالاستفادة من هذه الخبرات من خلال عملها بجامعة القاهرة وتعزيز حوار الحضارات والثقافات وهو المجال الذي تعمل فيه منذ 12 عام.

سوريا.. بناء السلام في بلد الحرب

ميشيل عساف من سوريا، مدرب تنمية بشرية وأحد المشاركين في البرنامج، عمل على مبادرة من أجل تدريب مدربين ينشرون ثقافة حل النزاعات وبناء جسور السلام، على الرغم من الأوضاع الأمنية الصعبة التي تعيشها المناطق السورية في ظل استمرار الحرب.
ميشيل عساف من سوريا، مدرب تنمية بشرية وأحد المشاركين في البرنامج، عمل على مبادرة من أجل تدريب مدربين ينشرون ثقافة حل النزاعات وبناء جسور السلام، على الرغم من الأوضاع الأمنية الصعبة التي تعيشها المناطق السورية في ظل استمرار الحرب. تصوير: عبد الرحمن دندشي

يقول عساف: “عملنا على نقل الخبرات التي تلقيناها في البرنامج من أجل نشرها على مستوى أوسع ونشر الفكرة بشكل أكبر، ونسعى لعمل شبكة عمل من اجل توسعة العمل حيث ثمنا باختيار اشخاص من مناطق فيها نزاع وتنوع سكاني وتركيبي متنوع داخل سوريا”، مضيفاً: “التدريب كان حول النزاع وأسبابه وشرح اليات حله بشكل علمي وسريع والأسباب الحقيقيه له، وسعينا لتعزيز فكرة تقبل الاخر والوصول لأرضيات مشتركة من اجل الوصول الى الحل”.

وأوضح عساف: “الفكرة التي حاولنا ايصالها بالنتيجة انه لا يمكن فرض الرأي أو الغاء وجهات النظر الاخرى، وأكدنا على الحوار من اجل بناء جسور سلام وتواصل بين المجموعات ومن أجل التعايش وتقبل الاخر”، مشيراً إلى أنهم تمكنوا من بناء قدرات 25 مدرب، تمكنوا لاحقاً من تدريب 200 آخرين، وأنهم يسعون من أجل الوصول لأكبر عدد ممكن.

وقال: “الطموح الكبير ان يحل السلام في البلد وينتشر التعايش بين جميع فئات المجتمع، عملنا بمناطق حساسة جدا وبها نزاعات كبيرة وواجهنا مخاطر لأن النزاع في سوريا ولد حقد وصراع طائفي كبير والعمل في اطار بيئة حساسة وخطيرة هو عمل صعب جداً”، معتبراً أنهم تمكنوا من تخفيف حدة الاحتقان في بعض المناطق “لكن الواضع صعب ويحتاج جهد أكبر”، بحسب عساف.

ويرى عساف بضرورة التركيز في مثل هذه النشاطات على الجيل الجديد وطلبة المدارس والجامعات كونهم الأكثر تقبلاً التأثير فيهم وزرع مبادئ التسامح والحوار يكون أسهل، على حد تعبيره.

وعبر عساف عن سعادته بالمشاركة في البرنامج الدنماركي، مشيراً إلى أنه أضاف له العديد من المهارات والمعلومات حول بناء القادة والاستفادة من خبرات الدول الاخرى والدنمارك تحديداً والدول العربية الاخرى المشاركة والاستفادة من التنوع والمشاكل المشابهة وأساليب حلها من خلال تجارب الآخرين، وتشبيك علاقات كبيرة، منوهاً إلى أن البرنامج ساهم بشكل كبير في بناء شخصيتة “القيادية” وقوة تأثيره بالمجتمع.

لبنان.. أساليب إبداعية لتعزيز التعايش

ماهر بطيش من لبنان، منسق برنامج بناء السلام وحل النزاعات بجمعية منتدى التنمية والثقافة والحوار وأحد المشاركين في البرنامج، أوضح أن فريقه نفذ برنامج موحد بعدة انشطة تتوزع على مختلف مناطق لبنان بهدف التوعية بثقافة تقبل الاخر والتفهم في ظل الاختلاف الطائفي والديني والمجتمعي القائم في البلاد.
ماهر بطيش من لبنان، منسق برنامج بناء السلام وحل النزاعات بجمعية منتدى التنمية والثقافة والحوار وأحد المشاركين في البرنامج، أوضح أن فريقه نفذ برنامج موحد بعدة انشطة تتوزع على مختلف مناطق لبنان بهدف التوعية بثقافة تقبل الاخر والتفهم في ظل الاختلاف الطائفي والديني والمجتمعي القائم في البلاد. تصوير: عبد الرحمن دندشي

ولفت بطيش إلى أن مبادرتهم والتي سميت “أغصان الإيمان” تستهدف فئة الشباب بالدرجة الأولى من خلال تصميم لعبة تثقيفية تتضمن معلومات عن مختلف الطوائف بلبنان أشبه بـ”لعبة الحية والسلم”، وهي لعبة مشهورة في لبنان، حيث تم تحويلها للعبة تقوم على التعريف بالاخر من أجل الوصول للهدف النهائي.

وأوضح بطيش أن اللعبه تضمن بأن يقوم كل شخص من خلالها بالتعرف على الطوائف الأخرى الموجودة ثم ينطلق بالإجابة عن الأسئلة لكسب المعلومات عن الطوائف الأخرى من أجل الوصول للهدف العام، منوهاً إلى ان ستستهدف بالدرجة الأولى طلاب المدارس الثانونية والجامعات.

يقول بطيش: “شكل وعنوان اللعبة ينطلق من فكرة الشجرة التي تجمع الكل في جذع واحد”، مشيراً إلى أنها تهدف إلى تعزيز مفاهم التفاهم والحوار وتقبل الاخر في ظل الاختلاف وحدة القيم التي تجمع مختلف الاطياف اللبنانية والتأكيد على احقية الاختلاف بين البشر ونشر السلام للوصول إلى تعزيز السلم الاهلى في لبنان.

وتوقع أن تصل أنشطة المبادرة إلى أكثر من 800 شخص كمرحلة أولى، مشيراً إلى سعيهم للوصول إلى أوسع شريحة ممكنة خلال الفترة المقبلة.

وعن الفائدة التي تلقاها من البرنامج الدنماركي، يقول يطيش: “على الصعيد الشخصي كان لدي خبرة في التواصل مع الاخرين لكن البرنامج عزز الدور في توصيل رسائل مجتمعية واصبحت مؤثر بشكل اكبر في المجتمع”، مضيفاً: “تم ربط خبراتنا بزملائنا العرب والدنماركيين ووسعت الأنشطة الافاق والمدارك وانتقلنا من ممارسة تقبل الاخر من الاطار الضيق إلى الاطار الاوسع بعد الالتقاء بممثلي المجتمعات والدول الاخرى المختلفين في الدين والوطن والثقافة”.

الدنمارك.. تعزيز التعايش وحقوق الاقليات

"ميته ماتسلن" من الدنمارك مستشارة في الفلسفة والاخلاق، عملت برفقة زملائها الدنماركيين في البرنامج على تفعيل مجلس المواطنين الذي تديره البلدية من أجل السماع لمطالبهم، وخاصة مطالب الاقليات والفئات المهمشة والعمل على ايصالها بشكل ممنهج للسلطات الحاكمة، لتحقيقها.
“ميته مادسن” من الدنمارك مستشارة في الفلسفة والاخلاق، عملت برفقة زملائها الدنماركيين في البرنامج على تفعيل مجلس المواطنين الذي تديره البلدية من أجل السماع لمطالبهم، وخاصة مطالب الاقليات والفئات المهمشة والعمل على ايصالها بشكل ممنهج للسلطات الحاكمة، لتحقيقها. تصوير: عبد الرحمن دندشي

يعمل مجلس المواطنيين الذي شاركت ميته مادسن في تأسيسه على ايصال مطالب هذه الفئات للسياسيين في المجلس البلدي وتقديم المقترحات لحل مشكلاتهم، حيث عملت “ماتسلن” وفريقها على اقامة ورشة تدريبية حول اساليب الحوار وتعزيز اساليب عرض المشكلات واقتراح الحلول، لتحسين مستوى الخدمة المقدمة إليهم من السلطات المحلية.

وأشارت “مادسن” إلى انهم يخططون لعمل فعالية خلال الفترة المقبلة من أجل تصحيح بعض المفاهيم عند المجتمع الدنماركي عن الثقافة العربية والاقليات، والعمل على تعزيز دور الاقليات داخل المجتمع الدنماركي. وترى “ماتسلن” أن الخطوة الأولى والأهم في منع التطرف في أي مجتمع هي “دمج جميع الفئات وتعزيز شهورهم بالوطنية ومشاركتهم بالمجتمع كي يشعروا أنهم اشخاص فاعلين ولهم تأثير في الدولة.

ولفتت “مادسن” إلى انها استفادة الكثير على صعيدها الشخصي من خلال مشاركتها في البرنامج، وتمكنت من التعرف على تجارب الاخرين وخاصة في العالم العربي، وكونت شبكة علاقات ستعمل على تسخيرها في عملها من أجل دمج الاقليات في المجتمع الدنماركي.

محتوى رقميجزء من