تقبل الآخر والتعايش يتم عبر القضاء على الشكوك والتعميمات والصور النمطية

قادة دينيون من الدنمارك وعدة بلدان عربية شاركوا في اللقاء الذي يعتبر الثالث من نوعه. تصوير: عبد الرحمن دندشي

اختتمت في مدينة إسطنبول التركية أعمال الدورة الثالثة للمؤتمر الدنماركي للحوار الديني تحت عنوان:” نتطور معًا”، والذي نظمته مجموعة التواصل بين المسيحيين والمسلمين في الدنمارك بالتعاون مع الفريق العربي للحوار الإسلامي – المسيحي ومقره لبنان بدعم من برنامج الشراكة الدنماركية العربية. حيث ضم عدد من المسؤولين وقادة مسلمون ومسيحيون ودروز من العالم العربي وأوروبا.

شيرين خانكان، مسلمة من الدنمارك، رفضت توصيف الصراع الحاصل في العالم بأنه نتيجة للاختلاف بين الأديان والتعصب إلى دين معين، وقالت: “الصراع والصدام القائم أساسه الخلاف السياسي والخلاف بين الأشخاص والأفكار وليس بسبب الدين”.

وعن تجربتها الشخصية في التعايش، قالت خانكان: “أنا دنماركيه، لكن أبي لاجئ سوري هرب من نظام الأسد إلى الدنمارك ووالدتي فلندية تعرفوا على بعضهم البعض في الدنمارك وتزوجوا على الرغم من حواجز اللغة والدين والقومية والمجتمع وهم الآن يعيشون بسعادة وتوافق”، معتبرةً أن ذلك دليل قوي على إمكانية التعايش والحوار بين الأديان والشعوب المختلفة.

ولفتت خانكان إلى أن الأفكار المسبقة وإدعاء امتلاك الحقيقة الكاملة من أهم أسباب التجاذب والنفور بين الأديان والمجتمعات، وقالت: “يجب على كل شخص أن يؤمن بأنه لا يوجد حقيقة مطلقة وأن لا يحاول السيطرة على الحقيقة ويدعي امتلاكها، وأن ينتهج الوسطية في حياته وتفكيره”.

لأن الطرفان يعانون من نقص كبير بالمعلومات عن الآخر، ولذلك يجب ايصال المعلومات الصحيحة للطرفين قبل أن يبدؤون بالتصرف بناءاً على الصور النمطية التي لديهم وبذلك يبدأ الشك والخوف وصولاً للصدام والتناحر”. صالحة ماريا فتاح

ورأت أنه من الممكن “الجمع بين العلمانية والإسلام لكن العلمانية بمفهومها الصحيح الذي تضمن عدم محاربة الرموز الدينية كما حدث في تركيا وفرنسيا بالسابق، وإنما العلمانية التي تضمن لأتباع جميع الأديان والطوائف بأن يمارسوا عباداتهم بحرية وأمان”.

وشددت خانكان على أن محاربة ظاهرة العنف والتطرف يجب أن تمر من خلال النظر في ما وراء المشكلة والبحث عن أسبابها الحقيقية، من أجل الوصول إلى الحل، معتبرةً أن السؤال الأهم للوصول إلى الحل يكون من خلال “ما الأسباب التي دفعت الشخص لأن يتحول لعنصري أو شخص ينتهج العنف”.

من جهته، رأى الشيخ محمد السماك أن التفسيرات الخاطئة للدين هي أهم أسباب النظرة السلبية للآخر وعدم تقبله، مطالباً بوضع آليات تساهم في القضاء على التفسيرات الخاطئة وتعزيز التفسيرات الصحيحة والإيجابية والتي تساهم في تعزيز تقبل الآخر.

وأكد الشيخ السماك على أهمية نبذ العنف والتشدد من خلال الارتكاز على ما يجمع بين الأديان والمجتمعات والابتعاد عن ما يفرق بينهم، معتبراً أن معالجة مسببات المشكلة هي الطريق الأقصر للوصول إلى الحل بدلاً من العمل على حل النتائج.

المنطلق الأساسي في التقريب بين الأديان والقوميات

صالحة ماريا فتاح مسلمة دنماركية وتعمل استاذة في إحدى الجامعات جنوب الدنمارك شددت على أن الحوار والانفتاح على الآخر هو المنطلق الأساسي في التقريب بين الأديان والقوميات والشعوب والطوائف، بسبب الاختلاف وقلة المعلومات والخلفيات الفكرية عن الآخرين.

وقالت ماريا: “الحوار هو الأساس للتقريب بين الشعوب لأن قلة المعلومات عن الآخرين تسبب الخوف منهم، وتجعل معلوماتنا عن الآخرين مشوهة وغير صحيحة مما يخلق حالة من عدم القبول للآخر”، مشددة على أن الشك والخوف من الآخرين ساهم بشكل كبير في تصاعد حالة الصدام.

وطالبت ماريا بوضع برنامج واضح من أجل دمج اللاجئين في المجتمعات تفادياً لوقوع صدام مع المجتمعات التي سيعيشون فيها “لأن الطرفان يعانون من نقص كبير بالمعلومات عن الآخر، ولذلك يجب ايصال المعلومات الصحيحة للطرفين قبل أن يبدؤون بالتصرف بناءاً على الصور النمطية التي لديهم وبذلك يبدأ الشك والخوف وصولاً للصدام والتناحر”.

الأمين العام للفريق العربي للحوار الإسلامي المسيحي رياض جرجور أوضح أن موجات الهجرة الكبيرة التي حدثت في السنوات الأخيرة إلى أوروبا والدنمارك خلقت واقعاً يفرض على الجميع أن يهتم به ويعمل على معالجته قبل انحرافه إلى مسار سلبي يكون نهايته “الصدام”.

وقال جرجور: “المهاجرون يواجهون مشاكل عدم التأقلم وصعوبات اللغة والاندماج بالمجتمعات التي وصلوها والتحول من التقاليد العربية إلى تقاليد بلدهم الجديد وفقدان الترابط العائلي والشعور بالغربة، كل ذلك يخلق حالة من السلبية والخوف من الآخر، واذا استمرت هذه الحالة فإن النتائج ستكون سلبية”.

ورأى جرجور ضرورة تعزيز حالة التعايش بين المهاجرين والمجتمعات التي وصلوها من خلال تعزيز تبادل المعلومات عن الجانبين لكسر التخوفات والحواجز النفسية والفكرية، للخروج من حالة التعميمات وتبديل الصور النمطية، وصلاً لحالة جيدة من التعايش بينهم.

ولفت جرجور إلى أن مؤتمر “نتطور معاً” يهدف إلى الوصول إلى درجة أفضل من التفاهم بين المسلمين والمسحيين في الشرق والغرب من جانب، وبينهم في البلدان العربية من جانب آخر، ومحاولة ايجاد حلول للمهاجرين لتعزيز محاولات دمجهم بالمجتمعات.

وطالب جرجور بتعزيز ما أسماه “خطاب العيش المشترك” في مواجهة “خطاب الكراهية والتفرقة” الذي يعزز التفكك المجتمعي والديني، داعياً الهيئات الدينية لدور أكبر في التقريب بين الشعوب والمجتمعات من جميع الأديان.

“نيك بيردهولت” مسؤول المشاريع في مؤسسة دانمشيون أحد المؤسسات المنظمة للمؤتمر بدعم من برنامج الشراكة الدنماركية العربية، أكد أن مؤسسته ترعى برنامجاً موسعاً حول حوار الأديان منذ ثلاث سنوات، وأنهم يلحظون تقدماً واضحاً كل عام في النتائج، مشيراً إلى أن الهدف الذي يسعون للوصول إليه هو تعزيز لغة الاحترام والحوار والتفاهم بين الأديان وتعزيز العوامل المشتركة التي تجمع بينها والتركيز والبناء عليها، وقال: “البداية كانت صعبة، لكننا وصلنا لنتائج ايجابية”.

ومن الجدير بالذكر أن برنامج الشراكة الدنماركية العربية أطلقته وزارة الخارجية الدنماركية في عام 2003 ويهدف إلى دعم الشراكات بين المؤسسات الدنماركية والعربية في مجال حقوق الإنسان والحكم الرشيد وحقوق المرأة والتنمية الاقتصادية، كما يسعى البرنامج لتقوية الحوار والشراكات والتفاهم المتبادل بين الدنمارك والعالم العربي.

محتوى رقميجزء من