دليل تونسي يعزز جهود مناهضة التعذيب

الملتقى شهد حضور بارز من الحكومة التونسية والقضاة وعدد من العاملين في مجال مناهضة التعذيب (صورة خاصة)

نظم المعهد الدنماركي لمناهضة التعذيب DIGNITY  بالتعاون مع وزارة العدل و حقوق الإنسان و العدالة الانتقالية التونسية ملتقى دوليا حول القضاء ومكافحة التعذيب يوم الأربعاء الماضي في العاصمة التونسية، تم خلاله إصدار دليل جديد للقضاة بعنوان دليل التصدي لجريمة التعذيب في القانون التونسي، يعتبر الأول من نوعه في المنطقة العربية.

و عن أهمية الدليل قالت السيدة كارين فيرلاند المديرة العامة لمعهد ديجينيتي: “تم إعداد هذا الدليل من طرف فريق حقوقي مشترك تونسي دنماركي. عملا معا في ظروف سهلة حتى يكون هذا الدليل بمثابة ميثاق للقضاة يحاربون به جريمة التعذيب ويحمون بوسائله كل من تعرض للعنف و سوء المعاملة”. و أكدت بهذه المناسبة أن إصدار مثل هذا الدليل إشارة واضحة من الحكومة التونسية على دعمها للحريات الأساسية ورسالة هامة عنوانها نحن معكم لمحاربة جرائم التعذيب. وأضافت: ” إن لدعم هذه التوجيهات المدافعة عن حقوق الإنسان أهمية قصوى بالنسبة لمعهد ديجنيتي باعتبارها دليل واضح لعدم السماح بالتعذيب في أي حال من الأحوال”.

أضواء على الدليل

دليل التصدي لجريمة التعذيب في القانون التونسي الذي تم إصداره في منتصف الشهر الجاري هو عبارة عن جملة من القواعد والآليات معترف بها دوليا تعرف بالإطار القانوني والممارسات المعتمدة في القضاء و خاصة المتعلقة بالأبحاث والتتبعات العدلية في جرائم التعذيب وسوء المعاملة. وفي تعريفها لهذا الدليل قالت السيدة آمال الوحشي- متفقدة بوزارة العدل- “أنه كتيب من الحجم المتوسط ورد في 109 صفحة. و يمثل ثمرة التعاون ناجحة بين وزارة العدل التونسية و المعهد الدنماركي لمناهضة التعذيب الذي انطلق منذ شهر كانون الثاني/يناير 2013 بإمضاء بروتوكول تفاهم بين الجانبين”. وأوضحت أن هذا الدليل ضم بعد التوطئة جزئين. يتعلق الجزء الأول بجريمة التعذيب في القانون التونسي و الجزء الثاني مع كيفية تعامل القضاء مع هذا النوع من الجرائم.

حدد هذا الدليل مهام النيابة العمومية و وضح سبل تدخلها، حيث أنه  يسمح للنيابة العمومية ممارسة سلطتها الرقابية من خلال زيارة ومعاينة أماكن التحفظ وسماع من تعرض للتعذيب ومراقبة دفاتر الاحتفاظ  وأيضا الحرص على إحضار المحتفظ به ومقابلته عند تقديمه للنيابة”. آمال الوحشي

طالع أيضا: مناهضة التعذيب بين النظرية العلاجية الغربية وإشكالية التطبيق في المجتمعات الشرقية

وبدوره بين السيد كمال الدين بن حسن – المكلف بمهمة لدى وزير العدل التونسي – طريقة استخدام هذا الدليل: ” هذا الدليل يدعم القوانين الوطنية ويجعلها أكثر ملائمة مع المعاهدات والاتفاقيات  الدولية”. و أوضح أن هذه الوثيقة ستكون أداة لمساعدة القضاة على الإطلاع على مستجدات القوانين الدولية والمحافظة على حقوق الإنسان. وأكد “سيمكن أيضا من تطوير المنظومة القانونية التونسية في اتجاه المزيد توفير الحماية لضحايا جرائم التعذيب  وتمكينهم من كافة حقوقهم”.

إشادة الحكومة التونسية بهذا الدليل

وأجمع الوزراء الثلاثة الحاضرين لفعاليات الملتقى على أهمية التعاون التونسي الدنماركي الذي مر بعدة مراحل يعتبر الدليل أهمها. فحسب ما أكده السيد حافظ بن صالح – وزير العدل التونسي-: ” قام الفريق المكلف بإعداد هذا الدليل بمهمة نبيلة. فهو سيساعد القضاة و جميع العاملين في مراكز التوقيف و المحامين في نشر ثقافة جديدة تمنع ممارسات التعذيب و سوء المعاملة”. وأضاف أن التعاون مع منظمة ديجينيتي كان تعاون ناجحا ساعد في ضم تونس لكل الاتفاقيات والمعاهدات المنادية بضرورة حماية حقوق الإنسان. وأشار وزير العدل التونسي على أن احترام الحكومة لحقوق مواطنيها والتزامها الجاد بحمايتهم سيتبلور أكثر بعد احداث الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب التي ستقوم بزيارات دورية منتظمة و أخرى دون سابق إعلام لمراكز الاحتجاز. وأضاف بن صالح: ”  الدليل هو إضافة  إلى عمل هذه الهيئة في المستقبل من إرساء قضاء عادل يمارس سلطته في رصد الجريمة وتتبع الجناة وصولا إلى إصدار أحكام مناسبة من جهة و تعويض الضحايا عن الأضرار المادية و المعنوية من جهة أخرى”.

ومن جهته أوضح السيد لطفي بن جدو – وزير الداخلية التونسي – أن تونس الجديدة التي شهدت ثورة ضد الظلم لن تسمح مستقبلا تعذيب مواطنيها و قال في هذا الصدد: “لا يمكن الحديث اليوم عن حالات تعذيب في تونس بل هناك سوء معاملة وتجاوزات”. وبين أن وزارة الداخلية عملت جاهدة لردع هذه الممارسات عبر توزيع أكثر من 50 منشورا على كافة مراكز الأمن تخص ضرورة احترام الحرمة الجسدية وآجال الاحتفاظ بالموقوفين وكذلك عمدت على تكثيف دروس مادة حقوق الإنسان في المعاهد التابعة للداخلية.

وشدد بن جدو على تعامل وزارته الحاسم مع كل القضايا التي تتعلق بالتعذيب وأضاف: ” لم تتجاهل وزارة الداخلية مشاكل التعذيب و عملت إلى فتح تحقيق في كل مرة يقدم فيها مواطن شكاية ضد أعوان الأمن. ويوجد حاليا حوالي 20 رجل أمن موقوفون بتهمة التعذيب وسوء المعاملة ونتمنى أن يساعد هذا الدليل القضاة التونسيين على حسن التعامل مع مثل هذه الاتهامات”.

حقائق:
يعتبر المعهد الدنماركي لمناهضة التعذيب “ديجنتي” من أهم المعاهد الدولية التي تعمل في هذا المجال، حيث أنه يملك خبرة تمتد على مدار أكثر من ثلاثة عقود في إعادة تأهيل ضحايا التعذيب والعنف المنظم والوقاية من التعذيب والعنف المنظم  وإجراء أبحاث حول أسباب وعواقب التعذيب فضلا عن التدخلات الوقائية والتأهيلية. ويستند عمل المعهد على منع التعذيب وفقا لما نصت عليه اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب (UNCAT) وبروتوكولها الاختياري “أوبكات”.
لمزيد من المعلومات عن المعهد باللغة الإنجليزية إضغط هنا   

وزير الصحة التونسي السيد محمد الصالح بن عمار كان له نفس الرأي. فالتعاون التونسي الدنماركي أثمر دليلا مهما سيساعد كل المتدخلين من محامين و قضاة وأعوان أمن وأطباء في تعلم كيفية التعامل مع جرائم التعذيب. و بخصوص دور الأطباء، أجاب ” إن التكوين الحالي للأطباء في تونس لا يتماشى مع متطلبات هذه الفترة و هذا النوع من الجرائم” و أكد أن هذا الدليل سيساعدهم على  أخذ الاعتبار عند كتابة تقاريرهم المخلفات النفسية لجريمة التعذيب”. وبين الوزير أن تونس تسعى جاهدة لتكون ضمن الدول الأولى المحترمة لحقوق الإنسان ومطبقة لاتفاقيات مناهضة التعذيب وكخطوة أولى سيتم افتتاح أول مركز مختص في تأهيل ضحايا جرائم التعذيب في بداية شهر كانون الأول/ديسمبر القادم.

دور هام في إنجاح القضاء التونسي

وعن دور دليل التصدي لجريمة التعذيب في القانون التونسي في إنجاح مهام النيابة العمومية قالت السيدة آمال الوحشي، متفقدة بوزارة العدل،: ” حدد هذا الدليل مهام النيابة العمومية و وضح سبل تدخلها، حيث أنه  يسمح للنيابة العمومية ممارسة سلطتها الرقابية من خلال زيارة ومعاينة أماكن التحفظ وسماع من تعرض للتعذيب ومراقبة دفاتر الاحتفاظ  وأيضا الحرص على إحضار المحتفظ به و مقابلته عند تقديمه للنيابة”. وأوضحت أن الآليات لتي ذكرها الدليل ستعمق فهم قاضي النيابة العمومية للموضوع و أشارت إلى أنه رغم وجود عدة عراقيل تمنع التثبت في جرائم التعذيب إلى أنه على الجميع التقيد بروح القضاء العادل لضمان محاكمة عادلة لكل من سولت له نفسه وعذب غيره.

طالع أيضا: شراكة طبية لمناهضة التعذيب

وفيما يخص مرحلة التحقيق، قال السيد محمد واصف جليل، مساعد الوكيل العام بمحكمة الاستئناف بتونس: “يحمل هذا الدليل في طياته كل المعلومات اللازمة التي من شأنها أن تساعد قاضي التحقيق في أداء مهامه بكل شفافية” وعن تجربته الشخصية تحدث السيد محمد واصف: ” تم إعلامي في إحدى المرات بسقوط متهم (يدعى محمد على الخماسي الذي توفي لاحقا ) من كرسي التحقيق ودخوله في حالة إغماء مما استوجب نقله للمستشفى. عندها تنقلت إلى عين المكان لمعاينة المتضرر و لم يكشف التقرير الطبي وقتها عن وجود أضرار وبعد يومين تلقيت خبر وفاته فرجعت إلى المستشفى لإعادة فتح تحقيق واستنطقت كل الأعوان الحاضرين يوم وقوع المرحوم عن الكرسي وكان عددهم خمسة وكانت أقوالهم متضاربة لكن بالبحث و المكافحة اكتشفت أن أربعة أعوان قاموا بضربه وتعذيبه وقد أخذ القانون مجراه وقدمناهم للعدالة وهم الآن في السجن منذ 2011.

اضغط هنا للحصول على نسخة من الدليل 

محتوى رقميجزء من